اثار مقال السيد جعفر الصدر شجون ثوابت ومتغيرات العملية السياسية لاسيما في مقولته عن الانتقال من "إدارة السلطة" الى "بناء الدولة" التي تطرح تساؤلات كبرى عن اليات هذا الانتقال وحقيقة الالتزام المتوقع في تحليل أصحاب المصلحة لفواعل العملية السياسية مقابل الاندفاع المجتمعي للتخلص من أثام مفاسد المحاصصة، بما يطرح السؤال المركزي عن مسؤولية الإباء المؤسسيين في بناء الأجيال المقبلة كنتاج للعملية السياسية منذ مؤتمرات المعارضة التي اتفقت على "الفيدرالية لكوردستان والديمقراطية للعراق" وما تم الالتزام به في مؤتمر لندن برعاية زلماي خليل زاده ثم مجلس الحكم بإشراف الحاكم المدني بول بريمر ومن ثم تأسيس العملية السياسية في قانون الدولة الانتقالي الذي نقلت اغلب فقراته الى الدستور العراقي الدائم باعتبار ان اصل التشريعات في النظام السياسي الجديد قائمة على ازدواجية ثوابت الدين الإسلامي والديمقراطية، والتي انتهت خلال عقدين من الزمان الى تطبيقات مفاسد المحاصصة.

ويتكرر السؤال عن تلك المسؤولية الملقاة على الاباء المؤسسين للعملية السياسية اليوم فيما يدعو اليه السيد جعفر الصدر كونه المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء في حكومة مطلوب ان تكون حكومة اغلبية برلمانية بوجود معارضة منظمة.

أي محاولة لحصر تحليلات اكاديمية عن واقع الدولة العراقية اليوم ربما تتوقف عند توصيف استاذنا الدكتور عامر حسن فياض الذي وصف حال الدولة بكونها دولة "اشباح" ونقد هذا الواقع بروح إيجابية يتطلب البحث عن تلك الحلول الفضلى للتحول الذي يدعو اليه السيد جعفر الصدر فتلك فرضيات مهمة تتطلب التوقف عندها لتبيان حقيقة أصحاب المصلحة في إدارة السلطة مقابل التحول المنشود لبناء الدولة.

اعتقد وفق قناعتي المتواضعة، ان مثل هذا التحول بحاجة الى فهم فواعل أصحاب المصلحة داخل قبة البرلمان في نتائج الانتخابات الأخيرة، وقناعات متولدة حتى عند بعض قيادات حزب الدعوة مثل الدكتور نوفل أبو الشون الذي دعا في ندوة نظمها مركز حلول للدارسات المستقبلية وتشرفت بإدارتها الى إعادة النظر الشاملة في تفعيل تطبيقات قانوني الأحزاب والانتخابات من خلال تعديل بعض المواد واعتماد مفوضية الانتخابات في قبول ورفض المشاركة في أي انتخابات وفقا لتلك القواعد القانونية المذكورة في قانون الأحزاب ومن بينها الكشف عن التمويل السياسي وعدم قبول مشاركة الأحزاب التي تتمسك بوجود اجنحة مسلحة وإلغاء التسميات الوهمية فقط لدخول مركب النجاة في العملية الانتخابية، وكل ذلك يولد نتائج منشودة في الانتقال من إدارة السلطة الى دعم بناء الدولة، هذا المصطلح الذي عملت به ضمن فريق عمل اسسه الدكتور ليث كبة بعنوان "دعم بناء الدولة" لتحقيق هذا الانتقال المنشود.

كان مصير كل هذه الدعوات عدم النجاح وان أسست لقاعدة مجتمعية رافضة لنظام مفاسد المحاصصة في إدارة السلطة ومتمسكة بأهداب التفكير الإيجابي بإمكانيات متاحة لتغيير العملية السياسية من داخلها.

اليوم، كرر السيد جعفر الصدر ذات المعايير في مقالته، موضوع البحث، نحن وغيرنا بانتظار ان يفصح عن برنامجه لهذا التحول المرغوب ما دام هناك رغبة متحققة بالسير باتجاه هدف التحول، ويتضح من تحليل أصحاب المصلحة للكتل البرلمانية داخل قبة مجلس النواب الحالي، ان الأغلبية الكبرى ما زالت متمسكة بنموذج إدارة السلطة للمكونات المجتمعية المعروفة، شيعية - كوردية - سنية، لكن هناك الكثير من الاختلاف في فهم اليات التنمية السياسية المطلوبة في مصفوفة الحلول المنشودة لازمة إدارة السلطة لاسيما في العلاقات بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية ناهيك عن الازمات المتوالدة التي تواجه العراق الذي اكرر توصيفه وفقاً للدستور بـ"عراق واحد وطن الجميع".

لا أجد في عملية التغيير حالة مستحيلة للتحول نحو بناء الدولة وأيضا الحفاظ على حقوق الجميع في تطبيقات واقعية لذلك الشعار الذي اتفق عليه الاباء المؤسسين للعملية السياسية ما بعد 2003، ان تكون الفيدرالية حقا لإقليم كوردستان والديمقراطية نظاما سياسيا للعراق، هنا يبرز السؤال: هل فشلت الديمقراطية في عراق اليوم؟

الإجابة على هذا السؤال واسعة في اتجاهات متعددة الأطراف، ولكنها تبدو محصورة في تطبيقات نظام الحكم، كوني أرى جميع الأفكار تبدو جيدة لمن يؤمن بها، فحرية المرأة في العراق على سبيل المثال لابد وان تبدأ من تحرر عقل الرجل العراقي وليس بالمدافعة والمناصرة لحقوق الجندر وفق اتفاقات دولية، والتحول الذي نتحدث عنه في الانتقال من نموذج إدارة السلطة بعقلية مفاسد المحاصصة يتطلب أيضاً ان يكون هناك رجال دولة يجدون الاليات والتطبيقات المنشودة والتي تفهم عقلية النواب والقيادات البرلمانية بوصفهم يمثلون الشعب وفق منطوق الدستور في النظام السياسي العراقي مع الاحتفاظ بملاحظة ان 20% فقط من العراقيين قد شاركوا في الانتخابات الأخيرة.

كل ذلك يجعل من الممكن القول ان من يرغب في هذا التحول المرغوب شعبيا، المتحفظ عليه من بعض فرقاء الكتل البرلمانية يحتاج فتح أبواب الحوار الوطني الحقيقي، فهناك وثائق مهمة لمؤتمرات حوار وطني عقدت خلال عقد ونيف من الأعوام لعل اخرها مؤتمر الحوار العربي الكوردي، ناهيك عن نتائج اعمال لجان التعديلات الدستورية، وهذا يتطلب ان تكتب "أوراق بيضاء" في حوار وطني يشرف عليه اكاديميون من الجامعات العراقية كافة للتعامل مع تطبيقات هذا التحول بعدها يمكن إعادة صياغة المشتركات بين هذه الأوراق لإعداد ورقة حوار وطني أساسية يمكن ان تنتهي الى "إعلان دستوري جديد" باتت الحاجة اليه أساسية لمثل هذا المتغير الذي يدعو اليه السيد جعفر الصدر والفرصة مؤاتية لكي يعمل مجلس النواب بكامل قدراته التشريعية في قيادة هذا الحوار خارج وداخل قبة البرلمان وتشريع هذا الإعلان الدستوري المطلوب، بموافقة جميع الأطراف بعدها ستظهر فرضيات تطبيقية تشكل همزة الوصل بين الأفكار والتطبيقات والالتزام بها، نعم هناك صعوبات واضحة وصريحة لكن التحول الصحيح لابد وان يعتمد خطوات علمية واقعية ومن دون ذلك تبقى مجرد أفكار فحسب.. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق