من الفروقات الاساسية بين المجتمع المتحضر والمجتمع المتخلف ان الاول مجتمع علم، والثاني مجتمع جهل.

وفي اطروحتنا للدولة الحضارية الحديثة لاحظنا ان العلم هو الركيزة الخامسة للدولة مع المواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات، وفي المركب الحضاري يأتي العلم عنصرا رابعا اضافة الى الانسان والارض والزمن والعمل. وفي الحداثة يكون العلم شرطها الاساس.

ومن اجل اصلاح المجتمع وبناء الدولة على اسس سليمة يتعين نشر العلم بجوانبه المختلفة: العقلية العلمية، البحث العلمي، طلب العلم، نشر الثقافة والمعلومات العلمية الخ.

علما ان كلمة العلم تشمل كل مجالات الحياة، في السياسة والاقتصاد والادارة والاعلام والصحة والتربية وغير ذلك.

وفي مجتمع "كتاب"، كما هو حال المجتمع العراقي، فانه من المفيد جدا توظيف رؤية "الكتاب" لمسألة العلم والاستفادة منها في دفع المجتمع الى العلم، او في بناء مجتمع العلم والمعرفة.

ويمكن لقاريء "الكتاب"، اي القرآن، ان يلاحظ بوضوح انه يركز على العلم، بما يكفي للاعتقاد ان القرآن يسعى الى اقامة مجتمع العلم. والاستعراض السريع لايات العلم في القران يبرهن على صحة هذه الفرضية.

ففي البداية يطرح القران زيادةَ العلم هدفا يدعو الانسانُ ربَّه لزيادته:

"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا" (طه 114)

ليؤكد ان العلم معيارا للتفاضل بين الناس:

"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ." (الزمر ٩)

ويحذر القرانُ الانسان من التصرف بدون علم:

"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" (الاسراء 36)

وبعد هذه المباديء العلمية الأساسية يحث القران المجتمع على خوض مجالات العلوم المختلفة.

فعلى سبيل المثال يدعو القران الى تحصيل علوم الفلك، او ما يسمى الفيزياء الفلكية كما في قوله تعالى:

"أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ." ( ق 6)

ويدعو الى دراسة الحيوانات كجزء من علوم الحياة بفروعها المختلفة، فضلا عن دراسة الارض، او الجيولوجيا:

"أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ." (الاعراف 185)

«أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ». (الغاشية ١٧-٢٠)

أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (الفرقان 45)

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ." (النور 41)

ويدعو الى دراسة نشأة الكون:

"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ." (العنكبوت 20)

ودراسة التاريخ:

"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (الانعام 11)

"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ." (الفيل 1)

ومن الطبيعي ان تتولى هذه المسألة وزارتا التربية والتعليم العالي، وغيرها من المؤسسات التي تعنى بالعلم في المجتمع والدولة.

ويجب على النظام التربوي ان يربي الاطفال على حب العلم والتفكير العلمي والابداع في هذا المجال.

وهذا ينطبق على طلاب الدراسات العليا في اختيار بحوثهم ورسائلهم. وهنا يجب التنسيق بين اختيارات الطلبة وبين الاحتياجات الفعلية للمجتمع والدولة بحيث تشكل بحوث الطلبة في الماجستير والدكتوراه اضافة ملموسة الى متطلبات بناء المجتمع المتحضر والدولة الحضارية الحديثة، خاصة والملاحظ ان بعض هذه الاختيارات لا ينطبق عليها هذا الشرط.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق