تتفق كتب العلوم السياسية والقانون الدستوري على ان الدولة تتألف بشكل اساسي من ثلاثة مكونات هي: الشعب والارض والحكومة. ومن بين هذه المكونات ليس الشعب هو المكون الاول فقط، بل هو ايضا المكون الرئيس للدولة، او هو "مادة الدولة" كما يقول عنوان هذا العمود. ولما كان الشعب مكوّنا من افراد، فانني سوف اقول ان الافراد هم الوحدات الاولية التي يتكون منها جسم الدولة، كما ان الخلايا هي الوحدات الاولية التي يتكون منها جسم الانسان، والتشبيه للمقارنة وليس للمطابقة، فالامثال تضرب ولا تقاس.

يقع الشعب في منطقة ما بين الحكومة والارض، فاذا كان الشعب هو "مادة الدولة"، كما قلت، فان الحكومة هي رأس الدولة وجهازها التنفيذي، والارض هي القاعدة المادية، او المكان او الوطن الذي يعيش فوقه الشعب. ولبناء الدولة لا يمكن الاستغناء عن اي من هذه العناصر الثلاثة، فلا يمكن تصور دولة بلا حكومة، او بلا ارض، او بلا شعب، يجب ان تتوافر هذه العناصر كلها في نسيج زماني-مكاني واحد لكي تقوم الدولة. وتنعكس طبيعة الشعب او هويته على الدولة. ولهذا تفصيل اتركه الى فرصة اخرى.

ويتساءل بعض الناس عن ايهما اسبق الدولة ام الشعب؟ والجواب الذي تقدمه الخبرة التاريخية منذ قيام دول المدن في وادي الرافدين قبل أكثر من ٥ الاف سنة هو ان الشعب يسبق الدولة في الوجود. وتجربة اقامة دولة الولايات المتحدة ليست استثناء من هذه القاعدة.

كما يتساءل اخرون عن طبيعة العلاقة بين الحكومة والشعب، وهل ان الحكومة هي التي تصنع الشعب ام ان الشعب هو الذي يصنع الحكومة. والجواب يتمثل في علاقة التأثير المتبادل بين الطرفين. كل طرف يؤثر على الثاني بدرجة ما، والمعادلة ليست متوازنة دائما، وان كانت هذه هي الحالة المثالية كما في الدول الديمقراطية السليمة. لكن قد تميل المعادلة لصالح أحد الطرفين، بهذا الشكل او ذاك.

الغرض من هذا الحديث هو القاء الضوء على كيفية وضع خطة او استراتيجية للتغيير وبناء الدولة. وبناء على هذا الحديث فان هذه الخطة تتألف من المراحل التالية:

المرحلة الاولى: تظهر في رحم المجتمع جماعة من الناس تؤمن بالتغيير وتملك تصورا واضحا لبناء الدولة. قد يبدأ الامر بفرد واحد او افراد معدودين، ثم تتوسع الدائرة حتى تتكون امة التغيير، او الاقلية المبدعة، التي تواصل عملها في الدعوة والتغيير على الصعيد الاجتماعي حتى تحوز على قاعدة شعبية تمكنها من الانتقال الى المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: تسعى هذه الجماعة الى تشكيل حكومة تتبنى اطروحة التغيير، او المشاركة جزئيا في الحكومة لتحقيق جزء من المشروع التغييري. وفي كلا الحالتين يفضل ان يتم ذلك بالطريق الديمقراطي السليم، لان الوسائل يجب ان تكون من جنس الهدف حتى يمكن تحقيق الهدف، وبخلافه فلا يوجد ضمان من عدم الانحراف والفساد.

المرحلة الثالثة: بعد ان تحقق المرحلة الثانية هدفها المرحلي، تبدأ جماعة التغيير باستخدام امكانيات الدولة وقدراتها المادية في عملية التغيير واعادة بناء الدولة وخاصة في مجالات التشريع والتعليم والاقتصاد والادارة.

وللتأكد من صحة هذا التصور يمكن ان نراجع خط سير الحركات التغييرية في التاريخ على الاقل منذ بعثة الرسول محمد، مرورا بالدعوة العباسية، وانتقالا الى الثورات المعاصرة في بريطانيا وفرنسا واميركا وروسيا وإيران واليابان وغيرها. وسنجد ان كل هذه التطورات التغييرية بدأ من اقلية مبدعة وانتهت ببناء الدولة باطروحة جديدة.

لا يمكن ان يكون العراق استثناءً من هذا السياق التغييري التاريخي. ولا يصح التعويل على فرضيات غير مجدية وليس لها سوابق تاريخية، لان هذا سوف يؤدي الى ضياع كثير من الجهد والوقت.

تعقيبا على الحلقة الاولى من مقالي "الشعب مادة الدولة" بعث لي الصديق جبار موسى بالسؤال التالي: "سؤال عندي حول مقالك هو هل ان الشعب مادة الدولة بما هو افراد او بما هو منتظم اجتماعي؟ بمعنى هل ان الشعب كونه افراد هو مادة اشتغال الدولة أو الشعب بما هو نظام مادة الدولة؟ بصورة اوضح هل العبرة من كون الشعب مادة الدولة كافراد ذوي طاقات تحتاجها الدولة او الشعب كمنظومة عمل وفعاليات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وغير ذلك؟"

واجبته مختصرا بالاتي: "سؤال دقيق ومهم ينتج منه سؤال اخر قبل الاجابة عن السؤالين: هل يمكن الفصل بين الافتراضين؟

الاصل هم الافراد. انهم المادة الخام. لكن حتى يتحولوا الى مادة دولة يجب ان يلتحموا بمنظومة او شبكة روابط تشكل النسيج الاجتماعي. لا يمكن تصور فرد كمادة للدولة دولة ان يدخل هذا الفرد في الشبكة او الملتحم الاجتماعي. في نفس الوقت لا يمكن تصور الملتحم الاجتماعي بدون الافراد."

وفي التفصيل اقول ان الافراد يتحولون الى "مادة الدولة"، اي مواطنين، حين يدخلون في شبكة علاقات متشعبة بينهم. وهذا ما اعتبره السيد محمد باقر الصدر العنصر الثالث من عناصر المجتمع اضافة الى الانسان والارض، واطلق عليه اسم "العلاقة المعنوية" بفرعيها: علاقة الانسان بالانسان، وعلاقة الانسان بالطبيعة.

والمواطنة في جوهرها صفة مكتسبة وليست موروثة. وهنا يتعين على النظام الاجتماعي ان يقوم بدوره في تحويل الفرد الى مواطن.

وينبغي الالتفات هنا الى ان المواطنين (الافراد) يدخلون في الملتحم الاجتماعي بوصفهم احرارا ومتساوين. فهاتان هما الصفتان الاساسيتان اللتان يقوم عليهما الملتحم الاجتماعي: الحرية والمساواة. وهاتان الصفتان تولدان مع الانسان، وهما جزء مكوِّن اساسي مما يسميه القران الكريم "الفطرة"، كما في قوله تعالى:"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.". وتشير الدراسات الانثروبولوجية والقرانية الى عناصر هذه الفطرة، وهي: الحرية والمساواة والايثار والاستخدام المتبادل والجنس. وقامت المجتمعات البشرية الاولى، القديمة، على اساس هذه العناصر الاولية. وفي مجتمع حديث يجب الحفاظ على هذه العناصر مع فارق مهم وهو "تقنين" هذه العناصر، وهذا هو الفرق بين مجتمع بدائي ومجتمع حديث، والفرق هو القانون. وهذا هو ما كان يقوم به الانبياء (من نوح الى محمد) والمشرعون امثال الملك البابلي السادس حمورابي (حكم من سنة 1792 قبل الميلاد إلى سنة 1750 قبل الميلاد) ومشرعو دول المدن اليونانية والمشرعون الرومان مرورا بتشريعات نابليون ووصولا الى العصر الحديث. غاية ما في الامر ان التشريعات سواء كانت الهية او وضعية عليها ان لا تخالف الاسس الفطرية الخمسة للمجتمع الانساني.

وفي الدولة الحديثة، نحتاج ان تتفق الاغلبية من المجتمع على الخطوط العريضة لهوية الدولة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين وغير ذلك. وانما قلت الاغلبية لان الاجماع غير ممكن عمليا. لكن اتفاق الاغلبية ضروري لتأخذ الدولة شكلها العام، وهذا الاتفاق من الاسباب الاساسية لاستقرار المجتمع والدولة معا. وبخلافه، اي بغياب اجماع الاغلبية على هوية الدولة، فان هذا سوف يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الدولة والمجتمع على حد سواء. وعليه فلا يصح ان يكون الانقسام حادا في المجتمع حول المحاور الاساسية لأنه يتعذر بناء دولة مستقرة بوجود هذا الانقسام. وهذا جوهر ما نعنيه بقولنا ان الشعب هو مادة الدولة، ومن هذه المادة يتم صنع الدولة. ومن هنا اوافق على النص الذي يقول: "كيفما تكونوا يولى عليكم" بغض النظر عن مصدره.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق