المتابع للشأن اللبناني وطبيعة الأزمة التي يعانيها هذا البلد العربي الشقيق، يصاب بالحيرة. حيث إن كل الأفرقاء والأطراف ينادون ويصرحون في كل المناسبات، أنهم مع التوافق وصيانة قواعد العيش المشترك، دون أن تعالج على المستوى العملي أزمات الواقع اللبناني. فدعوات التوافق التي يطلقها كل الأفرقاء في لبنان، لا تتعدى الألسن والآذان، وتغيب على الصعيد الواقعي كل فرص التوافق وصيانة العيش المشترك.

ويبدو أن الأزمة في لبنان معقدة ومركبة في آن. فبعض عناصر الأزمة داخلية - محلية، وبعضها الآخر إقليمية ودولية. وإن المدخل الحقيقي والواقعي لعلاج هذه الأزمة المستفحلة، والتي تنذر بشرر كبير على لبنان والمنطقة. هو أن يعقد اللبنانيون العزم على تحييد كل العوامل الإقليمية والدولية المانعة أو الكابحة للحل، وأن تعود الأولوية إلى لبنان واستقراره لدى كل الأفرقاء والأطراف.

ونحن ندرك صعوبة هذا الحل، وأنه سهل ويسير قولا، إلا أنه من الصعوبة بمكان على الصعيد الواقعي وذلك لأن الساحة اللبنانية ومنذ عقود طويلة، هي ساحة لصراعات داخلية وإقليمية ودولية، وإن زمن الاستقرار السياسي والأمني في لبنان، هو زمن التوافق السياسي بين الأطراف الإقليمية والدولية. وإن أي خلل يصيب هذا التوافق، سينعكس سلبا وبشكل مباشر على طبيعة الأحداث والتطورات والاستقرار في لبنان.

فلبنان ليس بعيدا في خياراته وأحداثه عن طبيعة أحداث وخيارات المنطقة. ودعوات الحياد اللبناني، لا تملك عناصر واقعية وسياسية للنجاح. وباعتبار المنطقة اليوم بأسرها تعيش مرحلة سيولة، ولحظة انتقالية على أكثر من صعيد، فإن لبنان يعاني من تأثيرات هذه المرحلة السلبية. لذلك فإننا نعتقد أن طبيعة الأزمة في لبنان بكل مراحلها وأطوارها، ليست بفعل عوامل لبنانية محضة. وإنما هي بفعل عوامل متداخلة ومركبة بين المحلي والإقليمي والدولي. وإن التوافقات الإقليمية والدولية، ستساهم في إنهاء الأزمة اللبنانية الحالية.

ولكن هذا بطبيعة الحال، لا يبرئ كل الأطراف اللبنانية جميعها من التوافق وتجنيب وطنهم ويلات ومحناً لا يعلم أحد مخاطرها ومداها. وإنما هم يتحملون مسؤولية وطنية وسياسية على هذا الصعيد. فلبنان يستحق من جميع الأفرقاء والأطراف صحوة ضمير، تعيدهم إلى بعضهم البعض، وتحملهم مسؤولية عدم الاندفاع في خلافاتهم وصراعاتهم إلى التضحية بلبنان الوطن والمعنى. فكل الأطراف الإقليمية والدولية، لها أجندة ومصالح، وتناقضاتها المنعكسة سلبا في لبنان، لا يمكن الحد من تأثيراتها ومخاطرها إلا بإرادة سياسية لبنانية، لا تضحي بوطنها من أجل صراعات الآخرين، ولا تدخل في حروب مع بني جلدتها نيابة عن الآخرين.

فالعودة إلى لبنان الوطن والمعنى، هو الخطوة الأولى في مشروع معالجة الأزمة اللبنانية الحالية. وإن استمرار الرهانات السياسية على الخارج، سواء كان هذا الخارج إقليميا أو دوليا، فإنه لن ينهي الأزمة، وإنما يزيدها تعقيدا وإرباكا. فالأجندات الإقليمية والدولية، ليس من أولوياتها ديمقراطية لبنان واستقراره، وعلى اللبنانيين جميعا أن يدركوا هذه الحقيقة، ويعملوا وفق مقتضاها في السياسة وتحالفاتها.

فلبنان لن يستقر ويخرج من محنته إلا بإرادة اللبنانيين جميعا. وأي رهان غير ذلك يطيل من أمد الأزمة ويفاقم من مخاطرها الأمنية والسياسية. وليس سرا أن جميع الأطراف والمكونات في لبنان، لها علاقات متميزة مع الخارج، ولكن آن الأوان بالنسبة إلى جميع الأطراف أن لا تكون هذه العلاقة المتميزة على حساب لبنان واستقراره وأمنه وازدهاره.

وهذا لا يتأتى إلا بالآتي:

1- تعزيز الوطنية اللبنانية، ودعم قواعد العيش المشترك لجميع اللبنانيين. فلبنان سر قوته وتميزه في تنوعه، ولا يمكن أن تتعزز الوطنية اللبنانية إلا بحماية التعددية الدينية والمذهبية الموجودة في لبنان.

2- تفعيل القوانين والنظم الدستورية والإجرائية، المنظمة لعلاقات اللبنانيين الداخلية. فلبنان لا يحكم بغلبة فئة على أخرى أو طائفة على أخرى، وإنما يحكم بسيادة القانون، الذي يحفظ لجميع التعبيرات والأطياف حقوقهم ووظائفهم العامة.

3- التمسك بالعروبة الحضارية. فلبنان لا يحكم بمشروعات الانسلاخ الحضاري أو الالتحاق بمشروعات ما وراء البحر الأبيض المتوسط. كما أنه لا يحكم بالقهر والاستبداد وتغييب الديمقراطية وأصولها. بل يحكم بالعروبة الحضارية، التي تجعل لبنان جزءا من محيطه العربي، دون تغيير نظامه السياسي والديمقراطي. فعروبة لبنان لا تشرع للاستئثار والاستبداد وتغييب أشكال المشاركة السياسية. وإنما عروبة لبنان تعني التمسك بديمقراطية لبنان وحماية تنوعه وتعدده الديني والمذهبي، ونسج علاقات سياسية واقتصادية متميزة مع محيطه العربي والعالم.

وجماع القول: إن لبنان يستحق من جميع الأطراف التنازل عن بعض طموحاتهم وتطلعاتهم السياسية، من أجل وحدة لبنان واستقراره وديمقراطيته.

اضف تعليق