من ذكرياتي القديمة، حين تحدث مشكلة عشائرية في الريف وتسير الأمور باتجاه احتمال مواجهة مسلحة، يظهر أشخاص من كلا العشيرتين يقدّمون انفسهم بوصفهم الأكثر حماسا للمعركة القادمة، ليلفتوا أنظار الناس، لا سيما النساء، اليهم، وينحصر الظهور المكثّف لهؤلاء فقط في فترة التصعيد الكلامي، الذي يسبق المواجهة، ومع التجربة التي عاشتها الناس مع أمثال هؤلاء، انتجت الثقافة الشعبية هناك، عبارة طريفة بحقهم هي (كذّابها مربع)، أي أن هؤلاء المهاترين الذين يعيشون ربيعا من الزهو والاستعراض الفارغ، عادة ما يبحثون عن وسيلة للتملص من المواجهة المسلحة عند حدوثها، لأنهم كذّابون وخفيفون خلافا للشجعان الراكزين ممن يتركون بصمتهم في الميدان تتحدث عنهم او عن بطولاتهم!

قبل أيام تداولت وسائل الإعلام أخبارا عن تعرض صيادين عراقيين إلى مضايقات او تصرفات غير مقبولة من قبل خفر السواحل الكويتيين، وفي المقابل يقول هؤلاء الخفر او ينقل عنهم، إن الأمر يتعلق بتهريب مخدرات أو أشياء ممنوعة! وعلى اية حال ان معالجة هذه الامور تكون من شأن الدول ونوافذها الدبلوماسية او ما تراه من وسائل مناسبة اخرى، مثلما من شأنها ومسؤوليتها ايضا ضبط حدودها وتصرفات مواطنيها او موظفيها، إن كان فيها ما يسيء لدول الجوار او غيرها.. لم تمر سوى ساعات حتى امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع من مشاهد على (اليوتيوب)، تتضمن تهديدات للجانب الكويتي من أشخاص عراقيين، بعضهم بعناوين رسمية، لكن تهديداتهم جاءت بصفتهم الشخصية، ومن ثم جاء الرد من امثالهم في الكويت، يهددون ويتوعدون! وايضا بصفتهم الشخصية وليست الرسمية، لنجد انفسنا وسط حفل مهاترات مستمر عنوانه تهديدات وتهديدات مضادة، ليسوّق هؤلاء انفسهم بوصفهم المدافعين عن العراقيين والكويتيين كل من موقعه!

هذه التصرفات تعكس بلا شك ثقافة عشائرية متأصلة في النفوس، لم يرتق وعي أصحابها الى فهم معنى الدولة ودورهم فيها، ان كانوا مسؤولين كما يدعون او مواطنين عاديين، ومن كلا الطرفين.. وفي الوقت نفسه تثير هذه التصرفات الريبة اذ ربما هناك من يقف وراءها في الظلام ويدفع بهؤلاء لهذه المهاترات ليخلق مشكلات بين البلدين ويثير الاحقاد بين الشعبين.. هؤلاء الاشخاص يجب أن يوقفوا عند حدهم، وفقا لقوانين البلدين، لان مهاتراتهم هذه تسهم في تسميم الاجواء وربما تكون مدخلا لمشكلات لم تعد الناس بحاجة إليها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق