حكمت العملية السياسية في العراق منذ عام ٢٠٠٣، سياقات توازن المكونات الطائفية، ففي كل دورة نيابية تتموضع المكونات طائفيا لتختصر صراعات الطوائف السياسية الثلاث في العراق بالمحاصصة السياسية المبنية على هذا التوازن والتوافق. لكن بعد عام ٢٠١٤، شهد توازن المكونات انكساراً تمثل واقعيا بتشكيل تحالفي البناء والاصلاح، واستمر هذا الحال لغاية الان، لكن عاد توازن المكونات في البيت السني بعد انتخابات تشرين الماضي مقابل انكسار التوازن الشيعي والكردي.

وبعد اسقاط التهم قبل ايام عن رافع العيساوي وعودة علي حاتم السليمان الى بغداد بعد سنوات من الاتهام والملاحقة القانونية، عادت الى الواجهة مسألة مصير القيادة والزعامة السياسية السنية في هذه المرحلة، اذ عانى المكون السني سياسيا منذ عام ٢٠٠٣ من ازمة تشتت القيادات وانعدام الوحدة في القيادة والزعامة التي سببت بشكل او باخر استضعاف هذه المكون سياسيا واجتماعيا، بسبب الخلافات السياسية والتي انتجت انقسامات عميقة في المجتمعات المحلية التي يعيش فيها ابناء المكون طيلة السنوات الماضية، وصلت هذه الانقسامات الى حد الاختلاف حول تعريفهم لوضعهم وهويتهم وموقعهم وتوجهاتهم ومصيرهم بشكل عام، في ظل متغيرات وتحولات متسارعة في بلد شهد في السنوات الماضية تدمير المدن السنّية، نتج عن ذلك تصورات راسخة حول اتهام شرائح سنية بالضلوع في إنتاج الإرهاب وصناعته أو بتوفير بيئة حاضنة له.

شعر الجمهور السنّي أن مسار الأمور السابقة واللاحقة وخاصة الامنية بأنهم مواطنون من الدرجة الثالثة، إذ كانت الخطط الأمنية المشددة لا تُطبَّق سوى في مناطقهم كما أن تهم التعاطف مع الإرهاب تسمح باعتقالهم دون محاكمات لفترات طويلة ولازال هذا الشعور سائدا، يُضاف إلى ذلك أن أوضاعهم الاقتصادية وحصتهم في الوظائف تقلّصت بعد سطوة الاطراف الاخرى عليها خاصة في المؤسسات الامنية بما اخل بالمبدأ الدستوري المتعلق بالتوازن الوطني ما عمل على تحجيمهم، بينما سمح للمكونات الاخرى بفرض هيمنة عامة على البلد عبر تحالفاتها بعد كل انتخابات.

هذا الجو العام سبقته ورافقته خلافات سنية-سنية داخل الكتل السياسية قوض من قدرتها على تمثيل المكون السني سياسيا بمسار قوي قادر على مواجهة الضغوط والتحديات مما دفع بقيادته التقليدية مع تشتت الاصوات والمقاعد ان يكونوا خاضعين وتابعين للتحالفات الممثلة للمكونات الاخرى، ما جعل المشهد السني مشتتاً ومتعدداً، وجعل قادة الاحزاب السنية غير ممسكة بناصية القرار السنّي بشكل عام.

بعد نتائج الانتخابات المبكرة التي حصل فيها تحالف تقدم الذي يتزعمه محمد الحلبوسي المرتبة الاولى على القوائم السنية والثانية على مستوى العراق، هذه النتائج ادت الى ان يكون محمد الحلبوسي الشخصية السياسية الاقرب للملمة انقسامات البيت السياسي السني وترجمة الالتفاف حوله إلى محاولة اعادة الاعتبار للسنة من حيث المكانة والتأثير والنفوذ والادوار.

بوادر وحدة الصف السياسي السني باتت اكثر وضوحا بعد تشكيل تحالف السيادة والتقارب والاندماج بين تحالفي عزم وتقدم، خاصة بعد انتخاب الحلبوسي رئيسا لمجلس النواب لولاية ثانية مايعني اكتمال قناعة القيادات السنية بضرورة وحدة القيادة السياسية للمكون سياسيا.

كما سمحت نتائج الانتخابات المبكرة والانقسام الشيعي- الشيعي، والكردي- الكردي في العراق باستيراد مرجعية سياسية سنية وظفها الحلبوسي في إطار من الواقعية السياسية، دفعت باتجاه إجراء مصالحة وتسوية مع باقي الاطراف السنية الاخرى.

لكن هل ستمثل هذه القناعات والخطوات والتفاهمات صوب ترتيب البيت السني مسارات موضعية ومرحلية تتعلق بتجاوز مرحلة مابعد الانتخابات وتنتهي مع تشكيل الحكومة والمواقع الاخرى؟ ام ستكون مشروع استراتيجي مستمر؟ المؤشرات تعطي انطباعا على ان المرحلة الحالية في هذه الدورة النيابية لا تحتمل على مستوى المكون السني سياسيا وجماهيريا مزيدا من التشظي والانقسام، وان ترتيب وحدة صف البيت السني مسألة وجودية لابد ان يكون قائما حاليا، وطالما ان مرجعية تحالف السيادة الذي ضم الثنائية السنية بين الخنجر والحلبوسي الخصمين السابقين، فهذا يعني ان الاندماج والتحالف والوحدة تذهب باتجاه مسار البقاء حاليا، رغم تحديات التشتيت التي يواجهها هذا التحالف نتيجة تحالفه مع الكتلة الصدرية والحزب الديمقراطي الكردستاني، لان الحاجز الاول الذي كان يمنع من ذلك هو تساوي وتقارب الاوزان الشعبية والانتخابية للقيادات السنية التي تعرقل مثل هذه الخطوة، وكذلك مناورات المكون السياسي الشيعي لاستمالة اطراف سياسية سنية لتحالفه ما يعمل على الانقسام والتصارع، وطالما ان هذه العقدة قد حلت فان ترتيب وحدة الصف السني باتت تمثل مصلحة سياسية حرجة للمكون السياسي السني وهي اقرب للواقع منه الى الفكرة لكن هذا الواقع لن يتجاوز التموضع المرحلي والتكتيكي في الوقت الراهن، اذ لازالت علامات الاندماج والوحدة استراتيجياً غير مؤكدة.

عودة رافع العيساوي وغيره من الشخصيات والنخب السياسية السنية الى الواجهة السياسية بعدما كانوا ملاحقين قانونيا ومستبعدين سياسيا، وان كانت مناورة سياسية لكسر وحدة الزعامة والقيادة من قبل الخصوم السياسيين، لكن من المؤكد ان العيساوي وباقي النخب السياسية السنية البارزة ستلتحق بتحالف السيادة وتحسم وحدة القيادة والزعامة السنية لهذا التحالف لأنها ادركت ان طيلة السنوات الماضية كانت مشروع لكسر وحدة الصف السني واضعافه، كما ان من يراهن على ذلك استخدم بالأمس كل النفوذ السياسي والقانوني لإضعاف وتفكيك وتشتيت هذا المكون وادانة قياداته وملاحقتهم، والتاريخ يعيد نفسه.

ان المكون السياسي السني يعيش افضل لحظاته السياسية منذ عام ٢٠٠٣، بعد تفكك المكونين الشيعي والكردي، اذ يمكن القول ان ايران فشلت في توحيد القوى الشيعية رغم كل المحاولات والمبادرات، الأمر الذي بدأ يؤكد بشكل جدي تراجع الدور الإيراني في العراق، حتى الاكراد الذين كانت مواقفهم موحدة حيال بغداد فإن المنصب السيادي المتمثل برئاسة الجمهورية شتت موقفهم وقوتهم بسبب التناحر والصراع عليه، مما انتزع منهم دورهم التقليدي المعروف ببيضة القبان، ولم يعد بينهم وبين الشيعة تحالف استراتيجي تاريخي بل حل محله الآن نوع من التناحر والصراع المصلحي بسبب خرق الحزب الديمقراطي الكردستاني قاعدة ثبات المكونات السياسية التي شيدها القادة التقليديون، الشيعة والكرد بعد عام ٢٠٠٣، كان من شأن ذلك أن زاد من الخلاف الشيعي- الشيعي وفاقم الخلاف الكردي- الكردي. بالمقابل توحد البيت السني وتشكل تحالف السيادة، وفسر المكون الشيعي ان تركيا وراء ذلك خاصة بعد اللقاء الذي جمع خميس الخنجر ورجب طيب أردوغان ومحمد الحلبوسي وفيدان حقان.

ما جعل المراقبون السياسيون يرون أن تركيا استثمرت بشكل عملي تراجع واخفاق الأولويات الأميركية الإيرانية فيما يتعلق بالملف العراقي، وتمكنت من ملء الفراغ عبر توحيد البيت السني، والتأثير المتواصل على الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يؤكده الى حد كبير العمليات العسكرية الاخيرة في اقليم كردستان وسنجار بعد زيارة رئيس الاقليم الى تركيا، دون ان يؤثر ذلك على التقارب بين تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني مع الكتلة الصدرية.

في ظل هذا السيناريو تمخضت مخاوف شيعية من أنهم لن يكونوا اغلبية وقد يتحولون إلى أقلية في الحكومة القادمة، هذا يعني من وجهة نظر هذه القيادات أن الشيعة لن يتمكنوا من فرض أغلبيتهم التي كانوا عليها داخل البرلمان سابقا، فضلا عن أن تركيا سوف تتمدد نفوذا وقوة بتحالف سني سياسي كبير لديه حلفاء شيعة وكرد، وقد يلتحق بهم اخرون من المستقلين، على خلاف سيناريوهات التشظي التي يراهن عليها الان الاطار التنسيقي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

ان معالم وحدة الزعامة السياسية السنية نابعة من الدروس والتجارب التي مرت وعانت منها القيادات والنخب السنية المشتتة، اضافة الى ان ابناء المكون السني العراقي المُحبَط من التشتت والتفكك، سيرحب ويستفيد من بروز ثنائية سياسية سنية التي جرت بين الحلبوسي والخنجر وقد تكون ثلاثية ورباعية لكنها في اطار وحدة المكون الواحدة، وتكون بمثابة إعلان رسمي عن نشوء قيادة سنية جامعة توحد السنة وتقوي شوكتهم، وتسهم في إعادة التوازن المفقود بينهم وبين الحضور السياسي الشيعي والكردي على كل المستويات.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق