أصبح مصطلحي "الثلث المعطل" و"الثلث الضامن" من أكثر المصطلحات السياسية تداولاً على الساحة السياسية والإعلامية في الساحة العراقية بعد تفسير المحكمة الاتحادية في العدد 16/اتحادية/ 2022 في 3/ 2/ 2022 بشأن تفسير المادة 70/ أولاً، من دستور جمهورية العراق للعام 2005 وفشل مجلس النواب العراقي في انتخاب الرئيس الخامس لجمهورية العراق في عهده الديمقراطي بجلستي السبت والاربعاء 26/3 و27/3/ 2022، بعد ان قاطعها نواب الإطار التنسيقي وبعض النواب المتحالفين معهم أو ما يسمى بـ (الثلث المعطل)، الأمر الذي جعل زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر أن يلقي الكرة بملعب الإطار التنسيقي ويحرجه أمام الرأي العام (المحلي والخارجي).

في هذا المقال سنتعرف على دلالات مبادرة الصدر والرسائل التي حاول ايصالها إلى القوى السياسية والرأي العام، واذا ما كان الإطار التنسيقي قادر على ان يتخلى عن ثلثه المعطل وفتح باب المفاوضات مع القوى السياسية –باستثناء التيار الصدر– والشروع في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، أم أنه سيعتمد هذا الثلث في التعطيل والتأخير فقط من اجل عرقلة وافشال مشروع الصدر في حكومة الاغلبية الوطنية؟

في الواقع يمكن قراءة مبادرة السيد الصدر الاخيرة باتجاهين:

الاتجاه الأول يتمثل بالفرصة السياسية التي اعطاها السيد الصدر لقوى للإطار التنسيقي "الثلث المعطل" ومضمونها، هل باستطاعتكم المضي بمشروع الاغلبية السياسية بالتحالف مع القوى الأخرى والتخلي عن مبدأ التوافقية، إذا ما اتيحت لكم المشاركة الاساسية في تشكيل الحكومة؟ وهل لكم القدرة على اقناع الاحزاب الكردية (البارتي واليكيتي) في تحالف واحد، وكذلك الحال بالنسبة للقوى السنية؟ فضلاً عن ذلك، هل من الممكن ان تصل قوى الإطار إلى عتبة الثلثين أو إلى العدد الذي وصل له تحالف الصدر في الجلسة الأولى والثانية، وإذا ما كنتم قادرين على اقناع قوى تشرين والمستقلين بمشروع التوافقية مرة اخرى؟

الاتجاه الثاني يتمثل في الحجج التي رفعها قوى الإطار التنسيقي بمواجهة مشروع الصدر في الاغلبية السياسية او الوطنية، ومضمونه هل أن قوى الإطار التنسيقي سترد على مبادرة السيد الصدر برفضها التحالف مع القوى السياسية الأخرى بهدف الحفاظ على هوية الكتلة الأكبر او هوية التحالف الذي سيشكل الحكومة المقبلة، "الهوية الشيعية"؟ وهي ذات الحجة التي رفعها الإطار التنسيقي في الرد على تحالف الصدر مع تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني؟

إن الرسائل التي ارسلها الصدر بمبادرته إلى قوى الإطار من الممكن ان ترجح كفته وحلفاءه في المرحلة المقبلة، ولاسيما إذا ما اخفقت قوى الإطار أو فشلت في كسب ود الاطراف السياسية الاخرى. فالسيد الصدر اراد أن يبرهن للثلث المعطل، بانكم غير قادرين على المضي بمشروع التوافقية وكذلك عدم قدرتكم على تشكيل حكومة اغلبية سياسية؛ لذلك عليكم ان تخضعوا إلى سياسة الأمر الواقع، فضلاً عن ذلك، اراد الصدر ان يعطي رسالة عملية لقوى الإطار بان مغادرة منهج التوافقية خيار لا عودة فيه في هذه الحكومة، بموازاة ذلك، اراد الصدر ان يعطي فرصة أكبر لحل مشكلة مرشح رئيس الجمهورية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار مناورة الصدر بمثابة اختبار لتماسك قوى الإطار أمام فرضيات تشكيل الحكومة وتشكيل الكتلة الأكبر، وتعرية مشروعهم أمام الرأي العام فيما إذا كان لديهم مشروع غير تعطيل حكومة الاغلبية الوطنية او السياسية.

واقعاً وبلغة الارقام يبدو بان الإطار التنسيقي غير قادر على المضي بمشروعه (التوافقية) وكذلك غير قادر على دعم مشروع الصدر (حكومة الاغلبية)، وعليه فإن خيار المعارضة او الانسحاب من العملية السياسية –وهما الخياران الذين لوح بهما الإطار التنسيقي من قبل– قد تكون خيارات مطروحة بقوة إذا اما فشلت مساعيهما في مواجهة خيار السيد الصدر او ثنيهِ عن مشروع الاغلبية الوطنية. لذلك وبغض النظر عن البيان الذي أصدره تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني بتأكيدهم على تعضيد الشراكة مع التيار الصدري من اجل تشكيل الحكومة القادمة، إلا أن قوى الإطار ستبذل ما في وسعها من اجل التغلب على مشروع الاغلبية الوطنية، ولاسيما ان جل الخيارات والسيناريوهات المطروحة أمامهم قد تكون صعبة للغاية، سواء ساهموا او لم يساهموا في تشكيل الحكومة المقبلة.

بالمجمل يبدو بان الثلث المعطل سيكون معطلا سواء استثمر مبادرة الصدر ام لم يستثمرها، وان قواه السياسية ستكون عرضة للتصدع في الايام المقبلة، ولاسيما إذا ما فشلوا في استثمار فرصة الصدر الاخيرة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق