اعلنت السلطات في إقليم كردستان عن سقوط (12) صاروخاً باليستياً بعيد المدى في مدينة أربيل بعد منتصف ليلة السبت 12 مارس/ آذار، وقد تمكنت سلطة الاقليم من تحديد مسار الاطلاق، قبل ان يتبنى الحرس الثوري الإيراني عملية الاستهداف، إذ أعلن الاخيرة مسؤوليته عن الهجوم الصاروخي على عدد من المناطق في أربيل بالعراق، وقال إنه استهدف ما وصفه بـ"مقر استراتيجي لمؤامرات الكيان الصهيوني" بصواريخ دقيقة.

وكان التلفزيون الإيراني قد قال إن القصف الصاروخي على أربيل استهدف قواعد سرية إسرائيلية، في إشارة إلى تكذيب رواية الولايات المتحدة التي قالت إنه استهدف قنصليتها في المدينة. وعلى الرغم من تعدد القراءات والرسائل التي ارادت إيران ايصالها من خلال قصف اربيل، فالبعض يرى أن تذرع طهران بالرد على إسرائيل يحمل في مضمونه تحذيراً مبطناً لأربيل التي يحكمها "الحزب الديمقراطي" بزعامة مسعود بارزاني الذي بات يُتهم من جانب أوساط إيرانية بالإسهام في تشتيت "البيت الشيعي" في أعقاب تحالفه مع زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر ورئيس البرلمان السيد محمد الحلبوسي.

فيما يربط آخرون الموقف بـ"تمادي" أربيل في ضرب مصالح طهران الإقليمية، من خلال تكثيف مساعيها لتصدير الغاز إلى تركيا الباحثة عن بدائل للغاز الإيراني والروسي، تزامناً مع عودة علاقاتها إلى طبيعتها مع إسرائيل. إلا أن تلك القراءات قد لا تعنينا في هذا المقال بقدر ما نريد ان نتابع الردود والمواقف العراقية والإيرانية الرسمية وغير الرسمية وخطورتها على الدولة والمجتمع العراقيين.

من يتابع الموقف العراقي وردود الافعال العراقية (سياسياً وشعبياً) بعد الضربة الصاروخية الإيرانية على أربيل من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ بوضوح مدى الانقسام والتشتت الذي اصيب به العراق والعراقيين بعد عام 2003. سياسياً هناك انقسام واضح وكبير في المواقف بين القوى السياسية العراقية، وهو انقسام يمكن ان نلاحظه باتجاهين: الاول انقسام سياسي، يعكس طبيعة الصراع السياسي الدائر بين الاحزاب والقوى السياسية في عملية تشكيل الحكومة، وكأن الضربة الصاروخية لم تنتهك سيادة البلد والقوانين والاعراف الدولية، بل جاءت نصراً لهم في اضعاف موقف الطرف الاخر المتنافس معهم سياسياً على عملية تشكيل الحكومة.

اما الانقسام الثاني فهو انقسام ايديولوجي يحمل بداخله تقارب ديني– فقهي، يعتقد المؤمنون به بانه أسمى وأكبر من موضوع السيادة وحقوق ومستقبل بلد وشعب، وكأن الضربة الصاروخية استهدفت العمق الإسرائيلي بالفعل. فضلاً عن ذلك، فإن هذا الانقسام، هو نتيجة طبيعية للانقسام وعدم الاستقرار السياسي الذي لازم العملية السياسية منذ بداية تأسيسها عام 2003 وحتى الآن، سواء في الصراع على مغانم الدولة وتقاسم ثرواتها، او في الصراع على السلطة، التي تمثل الاداة الحقيقية في كسب تلك الثروات.

هذا الانقسام تدرج بشكل كبير إلى المجتمع العراقي، حتى أصبح المجتمع يمثل الاداة الاخطر في ذلك الصراع، إذ نرى ردود الفعل الشعبية بعد القصف الصاروخي الإيراني على أربيل تعددت بتعدد المواقف السياسية. وهذا ربما يمثل سابقة خطيرة في تاريخ الدولة العراقية، خطورة يمكن أن نستكشف تداعياتها على الأمن الوطني والقومي والمصالح القومية العليا للعراق وسيادته، على الرغم من المؤاخذات التي يمكن ان تسّجل على سيادة البلد منذ عام 2003 وحتى الآن بشكل عام. بموازاة ذلك، من يتابع المواقف الإيرانية الرسمية وغير الرسمية (السياسية والشعبية) من (سياسيين ومحللين وشخصيات رسمية وقنوات ومحطات تلفزيونية، ومرجعيات دينية)، يلاحظ بوضوح صلابة وقوة ووحدة تلك المواقف، التي لم تختلف عن الرواية الحكومة الإيرانية، والادهى من ذلك، فقد دافع الإيرانيون عن مصداقية تلك الرواية، وحاولوا ان يسوقونها بشكل جيد إلى الإعلام والمجتمع الدولي والشعب العراقي، بتأكيدهم على استهداف مركز استخبارات إسرائيلي رداً على هجوم تل ابيب على مصالحها في سوريا.

وهذا يعكس بوضوح الفارق الكبير بين ثقافة الشعبين (السياسية والشعبية) بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، ثقافة من شأنها أن تعزز ثقة المجتمع الدولي في (الدولة والنظام والمجتمع) وتزيد من حجمها السياسي العالمي، وربما لذات الاسباب نرى الدولة الإيرانية –على الرغم من الخلل الكبير الذي يؤشر على نظامها السياسي– تتمتع باحترام دولي كبير سواء على مستوى المنطقة او العالم، فإيران منذ سنوات تجلس وتقارع أكبر دول العالم، سواء على مستوى المفاوضات او على مستوى التسلح، بالرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

بالمجمل، نعتقد بان الخلل الذي اصيبت بها منظومة القيم العراقية (السياسية والمجتمعية) بعد عام 2003 هو خلل سياسي في الدرجة الاساس، وتسرب لها نتيجة الانقسام وعدم الاستقرار السياسي الذي تعاني منه القوى السياسية العراقية منذ ما يقارب العقدين من الزمن، وتكمن خطورة ذلك الخلل بعدم قدرة تلك القوى على معالجة الاختلالات البنيوية التي اصيبت بها العملية السياسية والمجتمع العراقي، فإدامة الصراع السياسي سيقود الجميع إلى الهاوية، وربما سينهي كل المكاسب التي تحققت بعد عام 2003 لكل القوى الموجودة في العملية السياسية العراقية، ولاسيما مع غياب الثوابت الوطنية التي من الممكن أن يجتمع حولها الجميع؛ لذلك أصبح المجتمع العراقي مجتمع مكشوف ومقروء امام كل أزمة سواء داخلية كانت أم خارجية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق