تعرضت محافظة أربيل في إقليم كردستان العراق فجر يوم الاحد 13/آذار-مارس الجاري الى هجوم مسلح بواسطة 12 صاروخ بالستي بعيد المدى انطلقت من الأراضي الإيراني أعلن مركز العلاقات العامة في الحرس الثوري الإيراني عن تبنيه وأشار الى انه نُفذ بـ" صواريخ قوية ودقيقة" مستهدفا ما أسماه "المركز الاستراتيجي للتآمر وجرائم الصهاينة"، ردا على "الجرائم الأخيرة" لإسرائيل، في إشارة الى الهجوم الإسرائيلي الأخير الذي وقع في يوم الثلاثاء 8/ اذار-مارس من الأسبوع الماضي قرب دمشق، ونتج عنه مقتل اثنين من الضباط في الحرس الثوري وهم كل من العقيد احسان كربلائي والعقيد مرتضى سعيد نجاد.

وتوعد الحرس الثوري في بيانه أعلاه إسرائيل بالقول: "أن تكرار أي شر سيواجه ردود فعل قاسية وحاسمة ومدمرة" مؤكدا "أن أمن وسلامة الوطن الإسلامي هو الخط الأحمر للقوات المسلحة لجمهورية إيران الإسلامية، ولن يسمحوا لأي شخص بتهديدها أو مهاجمتها".

من جانبها أعلنت حكومة إقليم كردستان العراق أن الهجوم الإيراني استهدف المقر الجديد للقنصلية الامريكية والمناطق السكنية القريبة من مبنى قناة كردستان 24، وانه خلف اضرارا مادية ولم ينجم عنه ضحايا بشرية. اما الحكومة الاتحادية في بغداد فقد استنكرت الهجوم في بيان صادر من وزارة الخارجية في اليوم نفسه واصفة إياه بأنه "انتهاك صارخ للسيادة العراقية"، وقامت باستدعاء سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق وابلغته "احتجاج الحكومة العراقية على القصف الصاروخي الإيراني" وبينت له ان الهجوم "عامل خرق لمبادئ حسن الجوار".

اما المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي، فعقد اجتماعا برئاسة رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي مشددا على "أن الاعتداء بالصواريخ الذي انطلق من الأراضي الإيرانية... يعد اعتداء على مبدأ حسن الجوار بين العراق وإيران، والعلاقة التاريخية التي تربط بين شعبي البلدين الجارين، فضلا عن كونه انتهاكا للقوانين والأعراف الدولية".

وعلى المستوى الشعبي العراقي، تجد انه على الرغم من وجود بعض الآراء التي حاولت تبرير الهجوم الإيراني بعده لا يختلف في انتهاكه لسيادة العراق عن افعال قوى دولية وإقليمية أخرى، فضلا على القاء اللوم على القادة السياسيين في بغداد واربيل بسبب مواقفهم وقراراتهم وعلاقاتهم الدولية غير المناسبة، فان القطاع العريض من الشارع العراقي اظهر امتعاضه واستهجانه لما سماه بالانتهاك غير المبرر لسيادة العراق، مطالبا الحكومة والقوى السياسية بمواقف صارمة لحماية وحدة وسيادة العراق، بغض النظر عن الجهة الإقليمية والدولية التي تقوم بذلك، بل واظهرت بعض المواقف شعورا بالنقمة اتجاه ما يحصل محملين الحكومة والقيادات السياسية في بلدهم المسؤولية الكاملة عما وصلت اليه الحال.

وبعيدا عن التبريرات الإيرانية للهجوم، وتصرفات بعض القوى الإقليمية والدولية الخارجة عن الأعراف والقوانين الدولية في التعامل مع بغداد، فان طهران تعي تماما وجود علاقة تاريخية خاصة تربطها مع العراق، فهي إضافة الى التشارك معه حدودا دولية طويلة تمتد لأكثر من 1400 كيلو متر من اقصى جنوبه الى اقصى شماله، ربطتها معه بعد سنة 2003 مصالح سياسية واقتصادية فريدة للغاية، لاسيما مع وجود نسبة جيدة من المؤيدين لها داخل الحكومة والبرلمان، وبين القوى السياسية والتنظيمات العسكرية الرسمية وغير الرسمية، ناهيك عن الوشائج الثقافية والعقائدية المشتركة بين شعبي البلدين.

ولكن كل هذه الروابط الفريدة لا تبيح لها اطلاقا التعامل مع العراق بطريقة الأخ الأصغر، او الفناء الخلفي لها، النظر اليه كمجرد دولة هشة يمكن تصفية الحسابات الإقليمية والدولية فوق أراضيها بطريقة آمنة لا تُعرضها لردود فعل إقليمية ودولية خارجة عن السيطرة. ان العراق، وعلى الرغم مما يمر به منذ ثلاثة عقود واكثر من ظروف صعبة فرضت عليه -ولا زالت- التعرض الى انتهاك سيادته واستقلاله من قوى خارجية عديدة يبقى دولة مهمة جيواستراتيجيا في محيطها والعالم، وهناك مواثيق وقوانين دولية ينبغي احترامها عند التعامل معه، لاسيما من شركائه الإقليميين كإيران.

وعلى ايران ان تفرق تماما بين تعرض مصالحها ومواطنيها الى الخطر على يد إسرائيل او واشنطن او غيرهما في ايران او سوريا، وبين قيامها بالرد عليهم داخل العراق؛ وذلك لأن إسرائيل او غيرها عندما تخرق سيادة سوريا او العراق... انما تقوم بذلك بصفتها دولة عدوة لهما لا دولة صديقة او شريكة، بل ولا تبالي بأي التزام أخلاقي او قانوني يمنعها من ذلك، ثم انها لن تخسر الكثير من المصالح بفعلها هذا، اما طهران فإنها عندما تخرق السيادة العراقية بحجة تهديد المصالح الإسرائيلية او الامريكية، فإنها تخرق أراضي دولة صديقة او شريكة من المفروض احترام سيادتها والتعامل معها بحكمة وبعد نظر، لاسيما عندما تأتي هذه الخروقات في اعقاب حراك شعبي حقيقي (في كثير من الأحيان) ومفتعل (في أحيان أخرى)، معلنا رفضا ونفورا شعبيا متصاعدا من التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للعراق.

ان عدم حذر ايران عند التعامل مع العراق، وتفضيلها تصفية حساباتها الخارجية فوق ارضه يرسل رسالة خاطئة تماما الى الشارع العراقي مفادها عدم احترام بلده من جاره الشرقي، ومثل هذه الرسالة غير المناسبة تهدد مصالح ايران الاستراتيجية داخل العراق، فالانتصار الاستراتيجي لأي دولة لا يكون بضخامة آلتها العسكرية التي تفرض ارادتها على الاخرين، وانما في قدرتها على كسب عقولهم وقلوبهم واشعارهم بانهم شركاء متساوون في المصالح والمسؤولية والاحترام المتبادل.

وهذا الكسب غالبا ما يسمى قوة الانموذج او الجذب الذي يعطيك إمكانية فرض الإذعان على غيرك بدون الحاجة الى استعمال السلاح، وهو يعكس حجم القوة الناعمة للدولة في محيطها الخارجي، ولكن للأسف القرارات والمواقف الإيرانية اتجاه العراق لا تظهر ايلائها اهتماما كبيرا لهذا الموضوع، ولذلك هي تخسر الشارع العراقي يوما بعد يوم، ليس فقط الشارع السني والكردي، بل حتى الشارع الشيعي الذي من المفترض ان يتشارك معها عقائديا، وهذا ما تجلى بصورة واضحة جدا في السنوات الأخيرة.

لقد امتلكت إيران قوتها الخارجية وقدرتها على المناورة في صراعها مع اعدائها من خلال وجود شركائها من الدول، ووكلائها من غير الدول، ومنهم أولئك الموجودين في العراق، ولكنها بأفعالها الخاطئة قامت بإحراجهم امام أنفسهم وشعبهم، واظهرتهم بمظهر التابعين الخانعين، على حساب مصالح شعبهم ووطنهم، وهكذا أخطاء لا تصدر عن عقل استراتيجي مدرك لمصالحه، بل هي أخطاء متهورة لا تغتفر قد تكون ناجمة عن قرارات مستعجلة لأجنحة محددة داخل منظومة الحكم الايراني.

نحن هنا لا نتكلم عن أفعال مموهة تقوم بها ايران او وكلائها كالخطف والاغتيال وغيرها من الأفعال التي يمكن القاء مسؤوليتها على الاخرين، وانما نتكلم عن انتهاكات سافرة تستعمل فيها صواريخ بعيدة المدى، وتضرب من خلالها مناطق سكنية محددة، تحت مسمع ومرأى ملايين العراقيين، وهم يتساءلون عن سبب قيام طهران بها في بلدهم، وعدم قيامها بمثلها في عواصم إقليمية اخرى، والاجابة عن هذه الأسئلة لن تكون سعيدة لها، وستحدد مستقبلا مصير العلاقة بين الجارين.

تحتاج طهران اليوم ان تعود الى الوراء قليلا، وتتأمل مسار علاقتها الطويل مع جارها الغربي، فلمرات عديدة كان لها كلمتها المؤثرة ونفوذها المهيمن في العراق، ولكن في جميع المرات السابقة انتهت الأمور بطريقة غير سعيدة لها، نتيجة انتفاض سكان العراق على سيطرتها ورغبتهم في استعادة مكانتهم واستقلالهم وثقلهم الحضاري، ولن تكون هذه المرة الأخيرة اطلاقا، فما يجري هو مجرد وضع محلي ودولي غير مؤات للعراق لن يلبث ان يزول ليبحث سكانه من جديد عن دورهم الجيواستراتيجي في منطقتهم والعالم.

ولكن على ايران ان تساعدهم للقيام بذلك فتكون شريكا استراتيجيا يمكن التحالف معه من منطق الاحترام السياسي والثقافي المتبادل لا ان تعترض طريقهم فتصبح عدوا قديما جديدا تستنزف عداوته طاقات وثروات البلدين وتمنعهما من بلوغ استحقاقهما الحضاري. ان الفرصة اليوم لتحقيق أي من المشهدين السابقين بيد إيران بالدرجة الأولى؛ لكونها الأقوى في هذه المرحلة، وعليها ان لا تعميها صراعات ما تسميه بمجالها الحيوي عن فرص حقيقية وواعدة لمستقبل أفضل يجمعها مع العراق ويحقق مصالح الطرفين بعدالة.

* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق