الحرب مصيّدة ومصيدات ومصائد ومصايد ومِصيَد والنتيجة واحدة هي المكيّدة والفخ، مثلما هي متواليات أحزان وتدمير وموتى وعذابات بشرية والنتيجة واحدة أيضا؛ الحرب هي آفة الحياة وعار الإنسانية، لا” تحدّد من هو المُصيب، بل تحدد فقط من هو الباقي”، كما يقول برتراند راسل. وقد أختصر محمود درويش مأساة الحرب عندما قال: ستنتهي الحرب، ويتصافح الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وَأولَائِكَ الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لَا أعلَمُ مَنْ بَاعَ الوطَنْ، ولكنني رأيتُ مَن دَفعَ الثمَنْ

الحرب هي إرهاب بالدلالات والمعاني الرمزية، ومن أعراض فشل الإنسان، وفقدان التوازن، وهي خسارة للمهزوم والمنتصر. فالحرب عادة تدور في مجال السياسة، لكنها تعمل في ساحات القتال. وهي من أكبر الخطايا التي يصنعها البشر حيث تكشف عن أسوأ الغرائز، بل تصنعّها. وحسب قول ليو تولستوي بأن "الغايات التي تشن الحروب من أجلها لا تستحق ما يبذل في سبيلها من تضحيات".

سأختصر مشهد حرب أم المصايد بين الرفيق بوتين الروسي والفنان الكوميدي زيلينسكي الأوكراني بالمختصرات السريعة؛ توصيف حالة، وليس تحليلا سياسيا، بمنطق الحيادية العقلانية. لن أدخل في خريطة الحرب والتفاصيل بين الأسطر والفواصل والفوالق ومنطق المؤامرات المعشوقة لعقولنا، لأن ما يحدث ينذر بالخطر، وهو جنون بامتياز؛ أحدهم خائف من تمدّد غربي على الحدود مع شهيّة لعودة تأسيس إمبراطورية قديمة-جديدة، وآخر ممثل كوميدي يريد كتابة سيناريو لتراجيديا أوكرانية ليكون بطلا قوميّاً بتحريض من الغرب!

من المؤكد إن بوتين أخطأ خيار الحرب في غزو أوكرانيا. ولا اعرف كيف تمّ حِساب معدّل الربح والخسارة بمنطق الرياضيات والجبر والسياسة. الخوف هو وجود صفقات سرية لا نراها ولا ترانا. لأن ما يحدث خيال يفوق قدرة العقل على التصديق مهما كانت النيات وشهوات الامتداد الجغرافي، وداء عظمة القيصر الروسي. أما غباء في تقدير الموقف أو ذكاء لصنع ما هو أكبر خارج الخلايا العصبية للدماغ

أما زيلينسكي، الشاب المتحمس، فقد وقع في مصيدتيّن؛ مصيدة قلة الخبرة السياسية واندفاع الشباب، ومصيدة الحلفاء الذين رسموا له خريطة وهمية للانتصار وبناء العَضلاّت وشيطنة الروس. أنظروا مشهد التحريض الذي تأسسه أمريكا لدفع الصبي الأوكراني للجحيم، وخلق صوّر نمطيّة للبطولات والمقاومة من أجل استنزاف روسيا في حرب طويلة الأمد على حساب ركاّم البشر والحجر الأوكراني. لذلك ستزرع أمريكا الغاماً كثيرة لأفشال المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا! جوهر الفكرة التي أردت اختصارها دون الجدل البيزنطي؛ الدجاجة اسبق من البيضة أو العكس. بإن ما جرى بين روسيا وأوكرانيا هو فخ كبير لاستدراج روسيا لهذه الحرب ضمن منطق “ضرب عصفورين بحجر واحد وهو؛ إضعاف روسيا ودورها الدولي الذي بات في الآونة الأخيرة أخطبوطا بأذرع طويلة لضرب نفوذها وتقزيمها دوليّا، ومن جهة أخرى تدمير ما تبقى من علاقات روسيا مع اوربا. أما الهدف الثاني، هو المزيد من أضعاف أوربا العجوز، وجعلها تعيش قلق تدهور العيش والاقتصاد، وإشغالها بمتواليات الصراعات التي لا تنتهي إلا بالمزيد من تَفجير الأزمات. مثلما هناك هدف آخر هو إعادة هيبة أمريكا لقيادة الناتو الذي اهتز، أو كاد يختفي في السنوات الأخيرة.

والقصة لن تنتهي بمشاهد النصر أو الهزيمة، لأن الجميع في حالة الخسارة؛ روسيا وأوكرانيا والاتحاد الأوربي. المنتصر الوحيد هي الولايات المتحدة الأمريكية التي لعبت على حبائل السياسة وخداعها. هي نفسها التي كانت تعطي الدروس للبشرية على حُرمة غزو الدول، وهي التي استباحت لنفسها غزو العراق وأفغانستان، ودمرّت دولا باسم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

كان يمكن للحرب ألا تندلع نيرانها لو تحققت مطالب روسيا بعدم انتماء أوكرانيا للناتو، وهو مطلب ليس كبيرا بحساب الخسارة والربح، لكن أميركا استثمرتها لإدخال الدب الروسي في قفص أوكرانيا بهدف الاستنزاف وفرض العقوبات الاقتصادية الشاملة، والأهم إنعاش حياة المجمع الصناعي الحربي بتوريد سلاح الموت والفناء، وهو سيد العالم والسياسة والحرب.

هناك قنابل يورانيوم للأخبار والمعلومات من مصدر واحد تصاحب الحرب، كذلك حروب نفسيّة ملغمّة بالخداع والتمويه والتوريط هي الأقوى والأكثر تأثيرا. وهناك سيل من القنابل النووية لضرب النظام المالي والاقتصادي لروسيا لإسكات مدافع الحروب النووية مؤقتا، والتي يقال إنها يمكنها تدمير تسعة كواكب بحجم كوكب الأرض، أي تدمير الأرض تسع مرات!

تبقى الحروب، مهما كان لونها وجنسها وهويتها، مأساة بشرية كبرى، ومرض يبشّر بسادية الانتقام وكره الحياة. فليس “كافياً أن تمتلك عقلا جيدا، فالمهم أن تستخدمه جيداً” (ديكارت). وقد لخص “ألبرت أينشتاين” الحروب الأخيرة بجملة بسيطة: أنا لا اعرف ماهي الأسلحة التي سوف تكون في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق