منذ اعلان نتائج الانتخابات العراقية المبكرة ولغاية الان تتصاعد الخلافات السياسية داخل المكون السياسي الشيعي ولم يتم التوصل الى اتفاق او رؤية موحدة لإدارة المرحلة السياسية الحالية والقادمة، ولم تعد القوى الشيعية قادرة على التأثير والضغط على المكونات السياسية الاخرى الفائزة في الانتخابات وتحديدا القوى المحسوبة على ما يعرف بالاطار التنسيقي، رغم ان هذه القوى لازالت تتمتع بالنفوذ ولديها قاعدة جماهيرية صلبة، كما ان التيار الصدري ممثلا بزعيمه مقتدى الصدر لم يعد يكترث لما يعرف بالبيت الشيعي والوحدة الشيعية ولم يعد يقبل بالخضوع للحسابات السياسية المرتبطة بمخاطر ضعف المكون او تفككه نتيجة عدم الاتفاق والتوافق، ولعل هذا ناشئ من قناعته ان هذا الاسلوب التوافقي الشيعي- الشيعي والشيعي- السني- الكردي الشامل لم يعد مفيدا وتمت تجربته وفشل ولم يحقق شيئاً.

المهم في كل هذا ان هذه الحيثيات كانت تحصل في كل دورة انتخابية من خلافات وعدم تفاهم وتتفاقم الفرقة لكنها سرعان ما تعود اليه التوافق المرحلي لعبور الازمة، والمتغير والفاعل في هذا الشأن كان اللاعب الايراني الممسك للتحالف السياسي الشيعي وايضا المؤثر بنحو متفاوت ونسبي على الفاعل السني والكردي، لكن هذا لم يحصل لغاية الان ويبدو ان ايران لم تعد قادرة على ضبط الايقاع الشيعي او بات صعبا، ولم تعد ايضا قادرة على فرض مصالحها على نطاق المكونين السني والكردي رغم امتلاكها لأدوات الضغط المعروفة الا انها لم تعد مجدية.

بات مأزق إيران وحلفائها في العراق صعبا فالإطار التنسيقي، يعيش أزمة حقيقية اذ خسر أولا معركة الانتخابات، ثم قاطع انتخاب رئيس البرلمان، وسعيه لتأليف الكتلة الأكبر في البرلمان غير مضمونة النتائج، كما ان مناوراته للتقارب مع الصدر بوجود المالكي اصبح صعبا جدا، خاصة بعد الحديث عن زيارة لم تحقق مغزاها لإسماعيل قآاني قائد فيلق القدس الى النجف.

ويبدو ان تراجع النفوذ السياسي الايراني في العراق ناجم عن عدة اسباب اهمها: اغتيال قاسم سليماني الذي كان مهندسا للتوافقات والتفاهمات السياسية ليس الشيعية فحسب بل السنية والكردية ايضا، ولم يستطع قآاني ان يملأ مكانة سليماني، اضافة الى متغيرات داخلية وخارجية احاطت بالعراق، اهما احتجاجات تشرين اول ٢٠١٩ التي غيرت من وعي المواطن العراق وتصوراته الذهنية تجاه كل العملية السياسية وحتى التصورات الاجتماعية ومنها الموقف الرافض للإسلام السياسي الشيعي الى حد ما والموقف السلبي من الجارة الشرقية وتدخلاتها في العراق، يضاف الى ذلك الدور المؤثر الذي تؤديه واشنطن عبر سفارتها وبعثة الامم المتحدة في العراق التي تضغط باتجاه مناصرة التيارات المدنية والعلمانية والشبابية على حساب التيارات الدينية المحافظة والقوى السياسية التقليدية.

وهذا يدفع واشنطن على التعامل مع العراق باعتباره هدفاً استراتيجياً رئيسياً طويل الأجل، ومفتاحا لإعادة بناء نفوذها وقدرتها في منطقة الخليج والشرق الأوسط ولهذا هي تحتاج الى مقاربة (التوازن والردع) مع ايران، وفي العراق يكون ذلك عبر التركيز على حلّ مشكلات السنة والكرد ومفاقمة مشكلات الشيعة فيه، واعتبار الملف الشيعي العراقي احد ملفات الردع، خاصة ان واشنطن ادركت ان التفاهم والتفاوض مع ايران مجرد تأجيل للمشاكل لا اكثر، لان الدبلوماسية الايرانية شيء وصواريخ ومُسيرات اذرعها في المنطقة شيء اخر، وهذه المتغيرات تقرأها إيران بشكل جيد ولهذا فإن تعويض تراجع البوصلة السياسية في العراق او لبنان أو اي مكان اخر يتم ضبط ميزان القوى عبر الصواريخ التي تستهدف مصالح اعدائها في العراق والخليج لإعادة ضبط مفهوم دور الردع والتوازن الذي بدوره سيرفع مستوى التوتر والحروب بشكل اكبر.

هذا الحال يسمح لمقتدى الصدر المتحرر من الضواغط الايرانية ان يطرح مشروعه السياسي المبني على حكومة اغلبية يكون للكتلة الصدرية دور كبير في هذه الحكومة رغم ان الصدر من المحتمل ضم قوى الاطار التنسيقي لمظلة رؤيته السياسية اذا ما استبعد المالكي منها او تحيد فاعليته في صنع القرار السياسي، وهذا المشهد محتمل بعد انتهاء ازمة الجلسة الاولى ورئيس السن ليتم الاتفاق على تجاهل هوية الكتلة الاكبر والتحرك بمسارات مشابهة لحيثيات تكليف الكاظمي رئيسا للحكومة مع بقاء حظوظه قائمة لغاية الان.

هذه المرحلة اذا ما سارت بهذه الرؤية فقد نشهد اول حكومة بالحد الادنى من التوافق والقدر الاكبر من الاغلبية، مع قدر ادنى من (لا شرقية) ومع قدر غير مضمون التحقق (لا غربية).

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001 – 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق