كلما نحاول تجاهل الكتابة عن التدخل الإيراني في العراق بهذه الصورة، يحصل ما يجبرنا على تناول هذا الموضوع المتجدد يوميا، ويجبرنا على الخوض بتفاصيل لابد للعامة من الاطلاع عليها عبر الإشارة اليها من جوانب مختلفة، وما سينال حقه من الطرح هذه المرة هو تراجع النفوذ الإيراني في العراق خلال الفترات الأخيرة.

لم تكن مخفية زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد والنجف بعد الخلافات والزيارات المتبادلة بين قادة الكتل والأحزاب الشيعية، فجاءت هذه الزيارة القريبة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الشيعة لتنظيم مشاركتهم في الحكومة المقبلة وإقناع بعضهم بالقبول بأن يكونوا خارجها، اي بمعسكر المعارضة.

فزيارة قاآني ليست الأولى منذ شهور، في دلالة على أهمية المرحلة الراهنة وسعي إيران الدائم لكسب الجولة القادمة والمحافظة على ما لديها من مكتسبات عبر الشخصيات المقربة منها في الحكومة والبرلمان، وهو ما مكنها من الحصول على نفوذ كبير وتغلل لا يمكن وصفه ووضع حدود له بجميع الاتجاهات.

وسائل الإعلام كشفت بعد انتهاء الزيارة انها لم تتمخض عن نتائج حاسمة لصالح ما تريده إيران في العراق، وسيكون عليها الاستعداد لمواجهة المرحلة القادمة، لتتعاطى مع المتغيرات المحتملة في الأيام القادمة، مع بروز تيار عراقي شعبي وجناح سياسي يرفض الوجود الإيراني في البلاد ويحاول تقليله عبر قطع الطريق عليها ومنع المقربين منا من الوصول الى الحكومة والاشتراك فيها.

لقد اعتادت إيران على نسبة متصاعدة من التدخل بما يخص المجريات السياسية في البلاد، فكثيرا ما نلحظ التصريحات الصادرة من شخصيات فاعلة ومؤثرة بالمشهد السياسي الإيراني، تجاه ما يدور في الاروقة السياسية العراقية، حتى وصلت الى القيام بدور تقليدي ومتحكم في العديد من الاختيارات الحساسة بما فيها رئيس الحكومة ورأس السلطة.

واستمر الحال على هذه الشاكلة قرابة العقدين بعد التغيير، يقابل ذلك تنامي في الضجر الشعبي على المستوى الداخلي، والحذر الأمريكي على المستوى الدولي مصحوبا بالقلق العربي، ولذلك تركز التأثير والضغط الإيراني على المكون الشيعي وتحديدا الجماعات الموالية لها بدرجة كبيرة، ولم تهمل حرصها على وحدة البيت الشيعي، بل بذلت ما لديها لتحقيق هذه الغاية وصولا الى الهدف الكبير وهو استمرار التمثيل الحكومي للشيعة في إطار ينحصر بين مفهومي التوافق والمحاصصة.

بقي هذا التأثير ساري المفعول طيلة السنوات الماضية، وفي جميع الدورات الانتخابية، ثم اخذ يتفكك بصورة تدريجية، وصلت ذروتها بالتزامن مع الاحتجاجات التشرينية المندلعة في عام 2019، إثر التردي الخدماتي والأمني وفقدان ابسط ضروريات الحياة، حتى تكاثرت هذه الاحتجاجات وبلغت أقصاها بالهجوم على القنصليات في بعض المحافظات.

احتجاجات تشرين كانت بمثابة الاختبار الحقيقي للوجود الإيراني على الساحة العراقية، اذ طالت الهجمات الجماهيرية جميع الشخصيات التي لم تنجح في ان تكون رسولا جيدا لحكومة طهران، بل ساهمت في زيادة النقمة عليها، نتيجة التخبط في إدارة شؤون البلد ومؤسساته الخدمية والأمنية والصحية وغيرها.

وفي الانتخابات الأخيرة فقدت الأحزاب المقربة من إيران اغلب مشروعيتها في تمثيل الشعب، وخسرت خسارة لم تتصورها بالمرة، وفقدت أحد أرجلها التي تحملها دائما للذهاب نحو قبة البرلمان، للاشتراك بتوزيع المناصب الحكومية حسب الاوزان الانتخابية للأحزاب الفائزة، فلم يكن امامها سوى المناداة بالذهاب الى تكوين جبهة المعارضة.

المعارضة في العراق يعني الإفلاس من المناصب الحكومية بصورة تامة، ولا يمكن لمعارض ان يشترك بحكومة غير مقتنع بها او مساهم بوضع لبناتها الأساسية، فثقافة الاعتراض لم تتجذر بعد في مبادئ العمل السياسي العراقي، ولا يوجد ايمان مطلق بجدواها وما تشكله من أهمية لتقنين الأخطاء التي ترافق العمل الحكومي، ومن يذهب لها، لا يريد منها سوى الوقوف بوجه من اقصاه لمنعه من تحقيق غايته الرئيسية.

ووفق هذا الجديد الذي طرأ على السياسة الداخلية العراقية، لم تنجح إيران في الحفاظ على مصالحها في العراق، وهو ضمان بقاءه سوقا مفتوحا لتصريف منتجاتها والحصول على منفذ لإدخال العملة الصعبة عن طريق التبادل التجاري الذي حرمتها منه اغلب الدول الصديقة للولايات المتحدة والمعسكر الغربي.

بعد عودة قاآني الى طهران خالي اليدين أدركت الحكومة الإيرانية ان دورها في العراق انحسر كثيرا وقد يتأثر أكثر في المستقبل القريب، وعلى إيران تقبل هذه الحقيقة لكي تتجنب خسائر فادحة إذما استمرت على نهجها القديم، القاضي بالتدخل المباشر بالسياسة العراقية وتوجيه الحلفاء وحثهم المتواصل على العمل سويا وإقناعهم كما في المدد المتعاقبة.

اضف تعليق