الوضع الطبيعي للدول التي تأخذ بنظام الانتخابات الدورية هو أن تكون هناك أغلبية سياسية حاكمة، وأقلية سياسية معارضة، والأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة يحكمها -في العادة- عدد الأصوات والمقاعد البرلمانية التي تحصل عليها هذه الكتلة أو تلك، بالإضافة إلى التحالفات التي تجريها الأحزاب والكتل الفائزة في قبة البرلمان بهدف تأليف الحكومة الائتلافية.

مثل هذا الوضع الطبيعي لعملية التداول السلمي للسلطة يحقق ثلاثة أمور سياسية مهمة هي: الأول: إن أصوات الناخبين أصبح لها أثر مباشر في وصول النواب والأحزاب والتكتلات السياسية الفائزة إلى سدة الحكم كونهم (بحسب الناخبين) أقدر من غيرهم على تحقيق احتياجاتهم المعيشية، وتحسين مستوى اقتصادهم.

الثاني: يتيح فرصة للأحزاب السياسية الفائزة ونوابها لتطبيق برنامجهم الانتخابي الذي وعدوا به ناخبيهم، وفيما إذا كانوا قادرين بالفعل على تحقيقه أم هي مجرد وعود انتخابية وحسب.

الثالث: يضع الأحزاب السياسية الخاسرة أو التي حصلت على مقاعد برلمانية اقل أمام مراجعة حقيقية، سواء في تعديل برنامجها الانتخابي أم في تحسين اختيار النواب الذين سيمثلونها، وفي قدرتها على تقويم أداء الأحزاب الحاكمة من خلال رصد الأخطاء والتجاوزات التي يرتكبها أحزاب السلطة.

وقد يحصل أن تتفق القوى السياسية المسيطرة على الشارع على تقاسم السلطة فيما بينها لسنوات طوال على قاعدة (التوافق الوطني) أو (التوازن المجتمعي) أو (التمثيل الأشمل للمكونات الاجتماعية) بهدف ضمان وجود الجميع في سدة الحكم، فتعمل هذه القوى مجتمعة على صناعة وزارات وهيئات ومناصب سيادية، ثم تعمد إلى توزيعها فيما بينهم على أساس نصيب كل حزب أو شخص سياسي (كما يحصل في العراق أو لبنان).

في التوافق بين الأحزاب الكبيرة على تولي المناصب الحكومية تغيب المعارضة كليا، ولا تسمع لها صوتا إلا ما ندر، يفضح مكامن الخطأ والزلل والتقصير في أداء البرلمان أو الحكومة، فالكل يغطي على الكل، والكل يحمي الكل، مازال الكل مستفيدا من وجوده في السلطات العامة. وقد لا يجد المواطنون في الدولة التي يحصل فيها أن تتفق جميع الأحزاب والكتل السياسية على تقاسم السلطة فيما بينها ما يحقق أهدافهم، سواء في انتخاب من كان يظنون أنه الأصلح، أو في تحقق أهدافهم في التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية، وفي توفير الخدمات الضرورية. فتمر الأيام والسنون سراعا (وكأنك يا بو زيد ما غزيت) ومشهد البناء والتقدم مازال بعيد المنال.

أي نعم؛ لو قارنا بين أن تحكم الأحزاب والكتل السياسية الفائزة لوحدها وتأخذ الأحزاب والكتل السياسية الخاسرة مهمة المعارضة، وبين أن تحكم جميع الأحزاب والكتل السياسية وأن تتقاسم المناصب الحكومية فيما بينها فلا شك أن الخيار الأول هو أفضل الخيارين للمواطن. إذ ربما يؤدي هذا الخيار إلى دفع عجلة البناء والتقدم والإصلاح نحو الأمام. ولكن هذا الخيار ليس خيارا سهل المنال عند الكتل الفائزة، ولا خيارا مرغوبا عند الكتل الخاسرة أو الحاصلة على اقل المقاعد البرلمانية، وإن كان خيارا مطلوبا لدى عموم المواطنين والناخبين، وذلك للأسباب الآتية:

1. ليس من المعلوم أن تكون الأحزاب الفائزة قادرة على تأليف الحكومة لوحدها من دون الاستعانة بالأحزاب الخاسرة أو التي لديها مقاعد أقل.

2. ليس من المعلوم أن تكون الأحزاب الفائزة قادرة على تطبيق برنامجها الانتخابي الذي وعدت فيه ناخبيها، لاسيما أن الكثير من الأحزاب والشخصيات الفائزة لا تمتلك برنامجا إصلاحيا حقيقيا حتى وإن دعت إلى الإصلاح.

3. ليس من المعلوم أن تتمكن الأحزاب الخاسرة أو التي لديها مقاعد برلمانية أقل من ممارسة دورها كمعارضة إيجابية، فقد تمارس دورا معارضا سلبيا، فيجري الاعتراض على كل قانون أو قرار يصدره البرلمان أو الحكومة، ويجري تعطيله فورا.

4. لا توجد مؤسسات مجتمعية حقيقية (ليست من المولاة ولا من المعارضة) تراقب وتحاسب أداء السلطة وممثليها في البرلمان والحكومة، فتبقى المحاسبة شكلية ذات طابع سياسي، لا تحدث تغييرا وإصلاحا في المضمون.

5. في ظل ظروف الفوضى السياسية والصراع بين الفائزين والخاسرين، أو بين السلطة وبين المعارضة، قد تُخلق أجواء توتر اجتماعية تحت عناوين طائفية، أو قومية، أو حزبية، أو شخصية، بهدف زعزعة النظام والاستقرار والأمن، فيختلط الحابل بالنابل، وتلتبس الأمور على المواطنين. كما حدث غير مرة في العراق.

وعليه؛ إذا كان خيار المشاركة الجماعية في إدارة البلاد على طريقة تقاسم السلطة بين الفائزين والخاسرين، كل بحسب استحقاقه لا يساعد على تقديم الخدمات، ولا يؤدي إلى تنمية اقتصادية، فان طريق الأغلبية السياسية الحاكمة والأقلية السياسية المعارضة قد لا يكون هو الآخر يؤدي إلى ما يصبو إليه الناس من خدمة أو تنمية أو تقدم، لأن نجاح الحكومة قد لا يكون مرهونا بكل ما ذكرنا في النقاط السابقة، بل هو مرهون إلى حد كبير بالسياسات العامة للنظام السياسي، وبالمسارات السياسية الثابتة التي تتملس حاجات المواطنين أولا، وتحظى بقبول جميع الأحزاب والكتل السياسية والحكومات المتعاقبة ثانيا. وهو ما نجزم بعدم وجودها أصلا، فكل جماعة سياسية تلعن الجماعة التي سبقتها، وكل حكومة جديدة تطمس معالم الحكومة التي أخلفتها، حتى لا يظل منها إلا رسمها.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق