يلفظ لبنان أنفاسه الأخيرة بعد ارتفاع مستويات الازمات الى دون السيطرة سواء على المستوى الحكومي او الشعبي، في ظل الانسداد السياسي من جهة، والانحدار الاقتصادي من جهة أخرى، فلبنان يعيش في الوقت الحالي اسوأ حالاته الاقتصادية، اذ تخطى سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة عتبة الـ 33 ألف ليرة لأول مرة في تاريخ البلاد التي تغلي على صفيح ساخن.

في السنوات الأخيرة وبعد ازدياد النفوذ الإيراني في لبنان التي احتوت بين طبقاتها الاجتماعية العديد من الأطراف الموالية لها وأبرزها (حزب الله)، الذي يعتبر الذراع الإيراني في البلد، وصاحب الإرادة الواسعة والتحكم الكبير في العملية السياسية، الى جانب التأثير على الشارع بفعل ما يمتلكه من قوة سلاح ودعم خارجي.

حتى تفاقم هذا الدور والتأثير ليغطي جميع مفاصل العملية السياسية، وأصبح جزء من المشكلة لا مساهما في حلها، والسبب يعود للأجندات الخارجية التي توظفه توظيفا يخدم مصالحها، وما يتعلق بنفوذها في المنطقة الملتهبة من جميع الاتجاهات، وتحولت ساحة لتصفية الحسابات بين الأقطاب اللاعبة فيها.

ونتيجة لهذا التدخل في الشأن اللبناني ارتفع مستوى الضغط الدولي على لبنان بالاتجاه المعاكس، ما أدى الى شن هجوم مضاد عليها من قبل المجتمع الدولي، وتجسدت ملامحه في اشتعال أسعار السلع والخدمات بضمنها المحروقات والمواد الغذائية وجميع ما يمس حياة الفرد، ولم تستثني ايضا كلفة الكهرباء والمواصلات.

وقد امتد التأثير حتى أثر ذلك على مصدر دخل الفرد وتراجعت قيمته الى حد غير مسبوق، اذ انخفضت مستوى الخدمات التي يتلاقاها الفرد اللبناني الى اضعاف مضاعفة، فضلا عن عدم قدرته على مواجهة موجة غلاء الأسعار الزاحفة والصمود بوجهها، حيث أدت جميع هذه الظروف الى استياء شعبي وتذمر واضح من قبل الطبقات المعدومة وأصبحت حائرة بقوت يومها وسد رمقها ولا تعرف اين مصيرها.

سوء إدارة البلد من قبل الساسة اللبنانيين جعل البلد يمر بأيام صعبة لم يعرف أصحاب القرار فيه كيفية الخروج من الازمة الحاصلة، فتراهم يدعون الى حوار وطني، خيفة من الانزلاق بالفوضى العارمة، ولم تتمكن من خلق التوازن في العلاقات الخارجية مع الدول المؤثرة في استقرار البلدان العربية.

في الازمة الأخيرة هنالك دليل على ان البلد وصلت الى حافة الهاوية، ولم تتحمل مزيدا من الانتظار، اذ اشتركت في الدفاع عن حقوق المواطنين بعض النقابات العمالية، من بينها الاتحاد العمالي العام واتحاد النقل البري، اذ أعلنا تحويل الغضب الحالي الى يوم غضب بجميع البلاد لقطع الطريق على العناصر الحكومية ومنعهم من التمادي في سياستهم الفاشلة وفق جميع المعايير.

القاعدة الحاكمة في لبنان هي قاعدة المحاصصة وكسب المزيد من الغنائم على حساب الطبقات الفقيرة او التي أصابها الفقر نتيجة الإخفاقات المتكررة، فضلا عن تهمة الفساد التي تلاحق الكثير من القادة الذين اشتركوا بالحكم دون وضع خطط للتعافي والشفاء من الاعراض التي اصابت مختلف القطاعات نتيجة الانقسام السياسي الذي عم البلد.

وبدلا من الانقسام الحاصل بين الشركاء، من الاجدر ان تذهب القوى الى التفاهم والحوار، ليكون متنفسا لتفعيل الحلول المحلية بعيدا عن الإرادة الخارجية والضغوط الدولية التي لم تتمكن من انتاج حلول تنسجم وطبيعة المشاكل المتراكمة في القطاعات الحكومية، وخرق جدار الازمات المتصلد.

بعض الأطراف اللبنانية تسعى لإفشال عمليات الحوار والسلام التي دعت اليها أطراف أخرى متمثلة برئيس الجمهورية ميشيل عون وعدم فسح المجال لمن يريد استبدال هذه المبادرات واللجوء الى الفوضى لتغيير المعادلة بدافع الانهيار الاقتصادي الذي يعم في البلد وفتك بجميع الشرائح.

ومن هنا يتولد الخوف لدى الكثير من تأرجح الوضع الداخلي بين الاستقرار والذهاب نحو مزيد من الفوضى خلال المرحلة المقبلة، وقد ينتج لنا ولادة وضع جديد يحصر الغلبة لطرف على حساب طرف آخر، أو ربما تدخل البلد مستوى جديد من الازمات لا يمكن حلها الى بعد دفع ضريبة باهظة التكلفة من اقتصاد البلد المتعب في الأساس.

تشي الأوضاع القائمة في لبنان الى استمرار الصراعات السياسية ما يعني أيضًا استمرار الأزمة الاقتصادية وربما تفاقمها بشكل غير مسبوق يلقي بظلاله على الأوضاع السياسية الجارية، لاسيما وان البلد مقبل على اجراء انتخابات نيابية ورئاسية في الأشهر القادمة، وتغيير التصور القائم عنه وعرفته الدول العربية والعالم بصورة مختلفة عما آلت اليه الأمور في الآونة الأخيرة.

اضف تعليق