في علم الاقتصاد يميزون بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي.

الاقتصاد الكلي، Macroeconomics، هو فرع من فروع الاقتصاد يدرس كيف يتصرف الاقتصاد الكلي - السوق أو الأنظمة الأخرى التي تعمل على نطاق واسع.

اما الاقتصاد الجزئي Microeconomics فهو دراسة سلوك الأفراد والأسر والشركات في صنع القرار وتخصيص الموارد. ينطبق بشكل عام على أسواق السلع والخدمات ويتعامل مع القضايا الفردية والاقتصادية.

على نفس النسق يمكن ان نتحدث عن الاصلاح الكلي والاصلاح الجزئي. حيث ينظر الاصلاح الكلي الى المجتمع من منظور شامل ويحلل ظواهره السلبية او مشاكله الكبرى، ويبحث عن حلول كلية لها.

في حين يتناول الاصلاح الجزئي المشكلات الفردية او الصغيرة ويحاول ان يجد لها حلولا جزئية وموضعية بمعزل عن المشكلات الاخرى وحلولها الجزئية.

قد تنفع الطريقة الجزئية في علاج المشكلة الفردية على المدى القصير او العاجل، ولكن الحل الجزئي سرعان ما يستنفد طاقته بسبب ارتباط المشكلة الجزئية بالمشاكل الجزئية الاخرى من جهة، وبسبب ارتباطها بالمشكلات الكبرى من جهة اخرى.

ولذلك لا يميل المفكر الاستراتيجي الى الاصلاح الجزئي ويفضل عليه الاصلاح الكلي. لان الاصلاح الكلي سوف يتضمن بهذا الشكل او ذاك حل العديد من المشاكل الجزئية المترابطة.

خذ الى ذلك مشكلة الفقر. يمكن ان تعالج الدولة هذه المشكلة بتقديم منح مالية محدودة للفقراء لكي يتمكنوا من اعالة انفسهم بالقدر الادنى من متطلبات العيش. وسيفرح الفقراء بذلك.

ومثلها مشكلة البطالة. يمكن ان تعالج الدولة هذه المشكلة بتعيين العاطلين في دوائر الدولة حتى لو كان فوق حاجة الدولة الفعلية الى الموظفين. وسيفرح العاطلون عن العمل بذلك، لكن هذه حلول تجزيئية لا يوجد ضمان على كونها سليمة على المدى البعيد.

لكن الادارة الاستراتيجية للدولة يمكن ان تقدم حلا شاملا لمشكلتي الفقر والبطالة باجراء تغييرات شاملة في نظامها الاقتصادي وتحويله من اقتصاد ريعي استهلاكي مستورد، الى نظام اقتصادي انتاجي يحقق درجة عالية من الاعتماد على الذات، ويدعم القطاع الخاص الذي يقلل بتوسعه الحاجة الى التوظيف الحكومي، ويعزز العلاقة الانتاجية بين الانسان والطبيعة، ويدمج القوة البشرية العاملة بعجلة الانتاج.

بالنظر الى حالة المجتمع العراقي حاليا، نجد ان الحلول التجزيئية المستندة الى نظرة جزئية قد لا تكون كافية لاخراج العراق في ازمته الراهنة. فالعراق يعاني من جملة اختلالات منها على سبيل المثال:

١. الاختلال السياسي: الاستبداد والكثرة المفرطة في الاحزاب والمحاصصة والمشكلات التي سببها الدستور.

٢. الاختلال الاقتصادي: الاستهلاك يفوق الانتاج والاعتماد على النفط وتضخم الجهاز الوظيفي للدولة.

٣. الاختلال الاجتماعي: الطائفية والفهم المتخلف للدين والتقاليد الموروثة وضعف الالتزام بالقانون.

٤. الاختلال القيمي والتربوي والثقافي، الامر الذي يؤثر بشكل مباشر على مختلف الاتجاهات السلوكية في المجتمع.

٥. الاستعمار باشكاله المتحولة والمتنوعة والتدخلات الخارجية في الشأن المحلي.

٦. غياب النخبة الواعية المتحدة المغيرة رغم وجود عدد لا بأس به من العلماء والمفكرين والكتاب والادباء والفنانين واساتذة الجامعات والاعلاميين الذين يمكن ان يكونوا في طليعة الحركة التغييرية والاصلاحية في المجتمع.

هذه الاختلالات وغيرها هي ما اسميه بالاختلال الحاد في المركب الحضاري.

هذه النقاط وغيرها تجعل من الضروري التفكير بالمشكلة والحل تفكيرا شموليا وعدم الاقتصار على النظرة التجزيئية للمشكلات وحلولها. وهذا يستلزم بلورة مشروع شامل لاعادة بناء الدولة بناء سليما يضمن الحد من الظواهر السلبية في الدولة والمجتمع. وهذا ما اطلقنا عليه عنوان: الدولة الحضارية الحديثة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق