خبران مترابطان قرأتهما صباح اليوم صدرا من مصادر مطلعة على المحادثات الامريكية (الاسرائيلية) الأخيرة بخصوص الصفقة النووية مع أيران تجعل الاستنتاج القائل باننا على وشك رؤية الدخان الابيض يخرج من مدخنة قاعة محادثات فيينا بين ايران واطراف 6+1. الخبر الاول وهو الاهم، ويمثل تحولاً جذرياً في الموقف الاسرائيلي تمثل في تقديم مدير الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجديد اللواء هاليفا تقريرا الى مجلس الوزراء الاسرائيلي بأن التوصل الى صفقة مع ايران في فيينا يخدم المصالح الاسرائيلية لانها ستضمن منع أيران من الحصول على القنبلة النووية. هاليفا كان يعلق على أيجاز قدمه مدير الموساد (بارنيا) الذي طالب بممارسة ضغوط اكبر على أمريكا لتتشدد في موقفها في فيينا.

أما الخبر الثاني المهم فهو أن سوليفان، مستشار الامن القومي الامريكي وعد الجانب الاسرائيلي خلال اجتماعه معهم لمناقشة الستراتيجية المشتركة تجاه ايران في يوم 22 كانون اول الماضي، بالتهديد باستخدام ما يسمى بآلية التراجع الفوري snapback التي تضمنها اتفاق 2015 والتي تنص على العودة الآلية فوراً للعقوبات المفروضة من قبل مجلس الامن والملزمة لكل دول العالم ضد ايران في حالة أخلالها بشروط الاتفاق. هذا يعني تعرض ايران لعقوبات اقتصادية مدمرة لانها ستشمل كل دول العالم. وعلى الرغم من ان سوليفان اخبر الجانب الاسرائيلي ان بريطانيا وافقت على هذه الخطة ايضا الا انه أكد لهم ان هذا التهديد يجب ان يقترن بمساعي دبلوماسية جدية لحلحلة الازمة والوصول لاتفاق.

هذان الخبران فضلا عن الاخبار الواردة من طهران سواء منها ما يخص تطور سير المفاوضات او سلوك ايران في المنطقة والذي يشير الى رغبتها الملحة في الوصول لاتفاق مع الادارة الامريكية يؤكد ما سبق وتوقعته في مقالي السابق وقبيل استلام الرئيس الايراني الجديد آنذاك لمهامه. ما قلته آنذاك يبدو شديد القرب مالم يحصل مستجد خارج التوقع، وهنا أعيد التذكير به: (ان ما كان يعيق الاتفاق خلال الاشهر الماضية هو ليس فقط التفاصيل الفنية كما يشاع ولكن قدرة المفاوِض الايراني على تلبية مطالب الغرب الإضافية).

هذه القدرة كانت مكبلة بعدم رغبة المتشددين باعطاء نصر حقيقي لروحاني-الرئيس السابق- وفريقه المفاوض. كما انها كانت مكبلة بفجوة الثقة بين جناح الثورة والدولة! هذا الوضع سينقلب الان بعد ان يصبح الوفد المفاوض ومؤسسات الدولة تحت قيادة رئيسي الذي هو اصلا من مؤسسة الثورة. ولأن الأقوياء هم فقط من يمكنهم ابرام الاتفاقات الصعبة فان من المرجح ان نشهد اتفاقا قريبا بين ايران والغرب وسيكون ضمن ذلك اتفاق على السلوك الايراني في المنطقة.

صحيح انه سوف لن تسحب ايران كل اذرعها ولن تنفك عن التدخل في شؤون الاخرين، لكنها ستفعل ذلك بشكل اقل استفزازا بكثير وستضبط ايقاع اذرعها على ايقاع مصالحها كدولة وليس كثورة.

اعتقد اننا سنكون ازاء حالة ذكرتُها في دراسة نشرت في مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن قبل سنة تقريبا، مشابهة لحقبة التسعينات حيث انكفئت ايران على تقوية اقتصادها ومعالجة الخلل والاعطال التي كانت تقيد انطلاقها اقليميا.

الخلاصة، ان المنطقة ككل ومنها العراق سيشهد استقرارا نسبيا افضل من ناحية التدخلات الايرانية وضبط ايقاعها. واذا كان ما زال هناك من عقلاء داخل العملية السياسية فاعتقد انه ستتوفر لهم فرصة افضل للتـــركيز على مطالب الداخل العراقي وشباب تشرين. تشرين ومطالب العراقيين العاديين لا مطالب ايران ولا امريكا او اي مــن دول المنطقة ستكون هي الحاكم المقبل للعراق. سيتفق الجميع ويبقى على العراقيين ان يتفقوا!). واعترف هنا ان توقعاتي التي يمكن جدا ان تتحقق قريبا بخصوص الاتفاق النووي، يبدو للاسف انها تتحقق ايضاً بخصوص وضعنا الداخلي. اذ لايبدو ان سياسيي العراق سيتفقون قريبا كما ستتفق مرجعياتهم! وهنا سيكون على تلك المرجعيات ان تتدخل اما (بالجزرة او بالعصا).

أعلم ان الكثيرين سيقولون وماذا عن التصاعد الاخير لنشاطات بعض الفصائل الولائية؟ كيف يتفق ذلك مع ما تقول؟ الاجابة ببساطة، أنه الصخب الذي يسود قبيل دخول المدرس قوي الشخصية لقاعة الدرس.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق