الافراد والمجتمعات والدول في حالة حركة مستمرة: اما الى الامام او الى الخلف. وهذا ما اشار اليه القران الكريم وهو يقول: “لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ”. والامر متوقف على ارادة الانسان بدلالة قوله “لمن شاء منكم”، والخطاب بالجمع تلميح الى ان المقصود هو الحركة الجماعية، اي حركة المجتمع كمجموع وليس فقط حركة الافراد كل على حده. هذه الحركة لها احتمالان، اما حركة الى الامام، او حركة الى الخلف، اما التقدم او التأخر. والنقطة التي اريد البحث عنها هي كيفية قياس ومعرفة ان هذه الخطوة هي الى الامام او الى الخلف. ماهو المعيار او المقياس لذلك؟

معرفة التاريخ تساعدنا على فهم ذلك. فهذه الخطوة، سواء كانت الى الامام او الى الخلف، هي حلقة مترابطة مع غيرها من الحلقات في مسلسل تاريخي طويل ذي طبيعة تراكمية. وتدلنا الدراسة الاستقرائية لحركة الحياة في الارض منذ مليارات السنين الى ان الحياة في حالة تطور وتكامل مستمرين على المستوى البيولوجي والمستوى الحضاري معا. فالمشاهَد الملموس ان “التطور المستمر” اتجاه تاريخي مطّرد. فالحياة في حالة تطور وتكامل مستمر، والمجتمع الانساني في حالة تطور وتكامل مستمر. صحيح ان بعض المجتمعات قد تتوقف عن التكامل او تتراجع، لكن قانون التطور يستمر في الاشتغال في مجتمعات اخرى. وما يهمنا ليس حالة كل مجتمع على حدة، انما حالة البشرية ككل.

والبشرية ككل في حالة سير تطوري وتكاملي وتقدمي مستمر. وهذا ما يشير اليه القران الكريم بقوله:”يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى? رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”. وليس مقصود الاية، والله اعلم بمقصوده، ان الله شخص نلقاه في نهاية الطريق، انما هو “حالة” نلتقي بها على طول الطريق وفي كل مراحله. لقاء الله هو تجسيد صفاته، واتخاذها كقيم عليا، في حياة الانسانية، حيث يتم بناء الحياة على اساس العلم والقدرة والقوة والعفو والتسامح والعدل والرحمة والمغفرة وغيرها من القيم العليا المنتزعة من صفات الله.

غاية ما في الامر ان الاية الكريمة تقول ان “لقاء الله” هو قانون او اتجاه تاريخي عام حاكم على حركة التاريخ. وهذا هو المعيار الاول: التقدم هو الاقتراب من الله، اي من منظومة القيم العليا لحركة التاريخ، او ان شئت فان التقدم هو التجسيد الحياتي لمنظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة. وبعبارة ثالثة التقدم هو السير على طول الاتجاه التاريخي العام الذي تمثله منظومة القيم العليا لحركة التاريخ.

بواكير تطور

سياسيا لاحظنا ان تطور حياة الانسان يشمل من بين امور اخرى كثيرة، الحياة السياسية للانسان. ففي بواكير هذا التطور ظهرت القرى الزراعية الصغيرة ومجتمعاتها البسيطة، وفي هذه المجتمعات ظهرت اولى اشكال السلطة الاجتماعية بشكلها البدائي، ثم ما لبثت ان ظهرت السلطة السياسية التي تطورت سريعا الى ظاهرة دول المدن الصغيرة في بلاد وادي الرافدين وغيرها. وفي هاتين المرحلتين ظهرت الديمقراطية في شكلها البسيط الاول، التي اطلق عليها الباحث جون كين اسم “ديمقراطية المجلس” assembly democracy ووصفها حاكوبسون باسم الديمقراطية البدائية primitive democracy التي انتقلت من وادي الرافدين غربا الى اليونان، حيث ظهرت بعد حوالي الالف سنة دولة اثينا التي طورت هذا الشكل الى ما عُرف تسامحا في المصطلح باسم الديمقراطية المباشرة direct democracy.

بعدها ظهرت دول الامبراطوريات الكبيرة واهمها الامبراطورية الرومانية واخرها الامبراطورية العثمانية والحكومات الملكية التي عملت بمبدأ التفويض او الحق الالهي في الحكم. ثم ظهرت الدول الحديثة بعد معاهدات وستفاليا في عام 1648. وكان سبق ذلك ظهور بدايات الديمقراطية التمثيلية Representative Democracy انطلاقا من اجتماع مدينة ليون الاسبانية في عام 1188اثناء ما سمي بحروب الاسترداد. ومع الثورة الصناعية والعلمية والتكنولوجية بدأت البشرية بالتحرك السريع نحو مرحلة جديدة من تطورها السياسي بظهور الدول الحضارية الحديثة التي شهدت ايضا ولادة الديمقراطية الرقابية Monitoring Democracy.

ومازالت حركة التطور والتقدم والتكامل على الصعيد السياسي مستمرة حتى الان. هذا الاستعراض السريع المستند اصلا الى قراءة تاريخية دقيقة وتفصيلية لحركة التاريخ السياسي للبشرية نستطيع ان نقول ان السير نحو الدولة الحضارية الحديثة يمثل اتجاها تاريخيا مطّردا. وهذا هو المعيار الثاني. فكل خطوة تقرب البشرية من الدولة الحضارية الحديثة هي تقدم في سير المجتمع البشري، وكل خطوة تبعد المجتمع عن الدولة الحضارية الحديثة هي خطوة تراجعية وتأخرية، ولمعرفة المعيار الثالث نحتاج الى معرفة الاهداف العليا لحركة التاريخ باتجاه الدولة الحضارية الحديثة. وتتمثل هذا الاهداف بمثلث السعادة-العدالة-الكرامة.

عبارات مختلفة

ويمكن ادراج اي هدف اخر ضمن هذه المثلث الذي يستوعب الكلمات/ الاهداف الاخرى كلها. فالانسان يسعى منذ الاف السنين الى تحقيق هذه الاهداف بصيغ وعبارات مختلفة، وبذلت المجتمعات في سبيلها الغالي والنفيس، واقرتها المواثيق الدولية التي تمثل اجماعات البشرية حول اي موضوع من المواضيع المطروحة.

وهكذا يتحدد المعيار الثالث وهو القرب او البعد من تحقيق هذه الاهداف المترابطة. فاية خطوة تقربنا من هذه الاهداف هي تقدم، واية خطوة تبعدنا عنها او لا تنسجم معها فهي تاخر وتخلف وتراجع. وبهذا العرض والتحليل استطعنا ان نحدد ثلاثة معايير لقياس خطوات المجتمعات من حيث التقدم او التاخر، وهي: منظومة القيم العليا، الاتجاه التاريخي العام، اي الدولة الحضارية الحديثة، واخيرا مثلث الاهداف الكبرى.

وفي التأمل نجد ان ظواهر سلبية كثيرة كالفساد والاستبداد والفقر والجهل والبطالة وانخفاض الانتاجية وغير ذلك تتعارض بالصميم مع هذه المعايير الثلاثة. ومن هنا قلت في مقالات سابقة ان الدولة الحضارية اتجاه تاريخي قابل للقياس. وفي السنوات الاخيرة ظهرت العديد من المؤسسات غير الربحية وعلى رأسها الامم المتحدة بقياس العديد من الجوانب ذات العلاقة بالدولة الحضارية الحديثة الامر الذي يسهل علينا مسألة الحكم على حالة الدولة من حيث التقدم او التأخر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق