مع ان قلق المستقبل هاجس يومي لكل العراقيين الذين يجهلون المرفأ الذي سيرسو عنده مركبهم، وما ستؤول اليه حياة أبنائهم، فما عاد الآباء مكترثين كثيرا لسنوات أعمارهم القادمة، فالأفق المنظور يبدو قاتما، وما مضى من حياتهم أكلته الأزمات والحسرات، ومن المؤسف أن تكون حياة الأبناء كالوحل الذي كابدوه مذ أبصرت عيونهم الدنيا. لسنا ممن يشيعون اليأس، ولا نريد له التسلل للنفوس أيام المحن والشدائد، لكن الترويج للأمل من دون معطى في الواقع كوعود أصحاب الغد المشرق الذي انتهت بنا أيامه الى خراب العراق، وتحويله الى كدس من الأنقاض، واذا بالإحباط يخيم علينا كليل بهيم، ما عبد الطريق لاحتلال عاصمة التاريخ وسط تصفيق الجاهلين وبهجة المتوهمين.

تأملنا مليا بسياسات من تصدر المشهد على مدى ما مضى الذي يعد طويلا بحساب عصرنا المتسارع الخطى، فلم نر للحاضر هوية ولا للمستقبل صورة، ومازال الارتجال نهجا والتخبط ديدنا، وهذا لا يبني للدول صروحا ولا للمجتمعات ارتقاء.

يتظاهر الناس احتجاجا على حقوق انتهكت، ودولة قاربت أن تكون مارقة بحسب وصفهم، فيستجيبون للاحتجاج بإجراءات خجولة لا تعدّل مسارا، ولا تعيد وزنا لبلاد يتدخل فيها كل من أراد لها أن تظل حبيسة التخلف والفوضى، ولعل تجديد العقود لمحاضرين بادروا بتقديم خدماتهم مجانا يوم لم تكن الحكومة قادرة على دفع رواتب موظفيها، آخر تلك الاجراءات، بعدما تبادلت الجهات المعنية الكرة، كل ترميها في ملعب الاخرى من وزارتي التربية والمالية الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء الذي نفض يديه في بداية الأمر من مطالب المحتجين بالقول: ان تجديد العقود ليس من صلاحياته.

يا جماعة: الديمقراطية لا تعني ترك الحبل على الغارب لهذه الوزارة او تلك، وان العمل لابد أن تنتظمه مركزية معينة، ويفترض بمجلس الوزراء أن يكون حاسما في هموم الناس العامة، فخدمتهم اولى مهامه ودواعي وجوده، فلِمَ التهرب من المسؤولية؟، فواقع التربية بحاجة الى أضعاف أعدادهم، نعرف ان الامور مرتبطة بالتخصيصات المالية، وليس من مال لتغطية مختلف فعاليات الدولة سوى المتحّصل من مبيعات النفط، بمعنى ان حياتنا مرهونة بأسواق النفط وأسعارها هبوطا وارتفاعا، فأين النجاح في الادارة؟ النجاح والابداع يُقاس بتقليل الاعتماد على مبيعات النفط، أي بتنويع مصادر الدخل، وذلك لن يكون الا ببديهية تفعيل القطاعات الأخرى، وهي قطاعات ثرية جدا تغنينا عن لعنة النفط، فالزراعة التي وصفت بالنفط الدائم لوحدها كافية لتوفير عيش رغيد.

فاذا كنا حائرين كيف نجد حلا للمحاضرين الحاليين، فماذا سنفعل للخريجين الذين قد يصل عددهم الى الملايين في السنوات المقبلة، فضلا عن غير المعينين من خريجي السنوات الماضية؟ ويدرك الجميع ان الدافع الذي يقف وراء استمرار الطلبة بالدراسة الجامعية هو الأمل بوظيفة حكومية، وليس لكسب العلم والمعرفة، فلا قيمة تذكر لهذا الدافع لديهم.

وفي غياب القطاع الخاص ستزداد المطالب بالتعيين، وتتعاظم ككرة الثلج سنة تلو اخرى حتى تبلغ مستوى لن يكون بمقدور الحكومات استيعابها اذا ما ظلت الحال هكذا، فتتمظهر باحتجاجات أكبر وأعقد مما فات، وقد يصل مداها الى تهديد النظام السياسي برمته، وعند ذاك لن ينفعها القول: ان التعليم لأغراض التنوير، وانها غير مسؤولة عن تعيينهم، فمثل هذا الكلام مستفز، ولن يجدي نفعا لطاقات شبابية أُغلقت بوجوههم أبواب الرزق، وليس من الأخلاق تحميلهم أخطاء السياسية وغياب التخطيط وصراع المصالح، فالحكومات مسؤولة عن توفير فرص العمل ، أما كيف، فذلك ما يجب أن تفكر به، وان كانت عاجزة بفعل الفاسدين والمتنفذين والمرتبطين بمن تعرفون، فعليها ألا تقبل بمسؤولية ادارة الدولة، أجراس الانذار تُسمع، وآخرها جرس وزير المالية بتسريح الموظفين بعد عشر سنوات، ولا نعلم لمن دق جرسه، للدولة العميقة ام الدولة الطافية ام يريد القول للشباب : امسحوا أيديكم بالحائط.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق