التواضع فضيلة أخلاقية جميلة ومحببة للنفوس تدعو الى الوئام والانسجام بين افراد المجتمع، ومن الناحية اللغوية تعني الانخفاض والتذلل الحسن للآخر، فيه أن "يرى المرء نفسه دون غيره في صفة الكمال"، و"تواضعت الأرض: انخفضت".

وإن كانت هي مطلوبة على الصعيد الفردي لما لها من آثار مباشرة في استحكام العلاقات، وتوثيق الأواصر؛ بدءاً من افراد الأسرة، ومروراً بالاصدقاء والزملاء في العمل، فان التواضع في مستواه الاجتماعي يمثل استحقاقاً سياسياً، وإن هو مغيّباً عن الاهتمام، أو لنقل؛ مُبعداً عن الأضواء بسبب الفهم الخاطئ له، فإن قلت لوزير أو مدير، او نائب في البرلمان، تواضع يا أخي! سيردّ فوراً: وهل نحن في مسجد، او حسينية؟!

رصد العلماء الأهمية الحياتية للتواضع الاجتماعي في تحقيق الأمن والاستقرار سياسياً عندما يكون تواضعاً اجتماعياً من لدن رجال السياسة والحكم، ولو نظرنا الى مراحل نشوء الديكتاتورية والظلم والتعسف في بعض البلاد، نجد التكبّر والاستعلاء من عوامل نشوئها، ومن ثمّ ظهور رموز منتفخة تتصور أن جميع الناس دون مستواها، بل تتخيل أنها مصدر رزق الناس، ومكمن سعادتهم، وإن كانت لديهم مائدة يطعمون منها، او مسكن يستظلون به، او فرصة أو أي شيء آخر فانه بفضل "الحزب والثورة"! ومن يتحدث عن التواضع عليه أن يتواضع ويخشع لمنجزات هذا الحزب وهذه الثورة!

وفي نطاق أوسع يفتح لنا سماحة آية الله الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- الذي تمر هذه الأيام ذكرى وفاته، آفاق واسعة لهذه الخصلة الجميلة والصفة الاخلاقية العظيمة، عادّاً إياها من عوامل نجاح وديمومة الحضارات، "فهنالك حضارة متواضعة، وحضارة متكبّرة، حيث ينشأ الظلم من التكبّر والطغيان، فإن أراد فرد أو حضارة ما، أن تنجح في المجال الاجتماعي يجب أن تتحلى بحالة التواضع الاجتماعي"، والمثال الأقرب الينا؛ الحضارة الاسلامية التي شيّدها رسول الله في المدينة، وشعّت بأحكامها ونُظمها لجميع انحاء العالم، ومن أبرز لبنات هذا البناء؛ التواضع الذي تزينت به هذه الحضارة وهي ترافق النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، في حركاته وسكناته ومواقفه واحاديثه، وعلى الأثر؛ سار أمير المؤمنين، ومن بعده الأئمة المعصومون خلال تعاملهم مع ابناء الأمة.

لماذا نفتقد التواضع الاجتماعي؟

لأنه عمل محبب للنفوس، وقيمة انسانية تثير مشاعر الحب والألفة، نلاحظ اهتمام حتى الحكام الطغاة بهذه الصفة، محاولين تقمّصها والظهور بها أمام الناس، من خلال السير بين الجماهير في مناسبات معينة، او زيارة رياض الاطفال، وتفقد المدارس والجامعات والتحدث الى الطلاب والطالبات، او استقبال فئات من الشعب والاستماع الى شكواهم وهمومهم، والادعاء بحلّ مشاكلهم مثل إعطاء فرصة عمل لهذا، او إهداء قطعة أرض سكنية، او حتى بناء دار لهذه المرأة الفقيرة وغير ذلك من الاعمال المثيرة للمشاعر الايجابية والبعيدة عن الازمات العامة في المجتمع والدولة التي يتخبط فيها عامة الناس مثل الفقر، والتخلف، والتمييز الطبقي، فضلاً عن مسائل كبرى مثل الحقوق الرئيسية كالمساواة والحرية والتوزيع العادل للثروة.

أما عن التواضع الاجتماعي الحقيقي فهو الذي ينتج "التفاعل الاجتماعي، لأن المعروف كره الناس للفرد المتكبّر"، وهذا من شأنه تحقيق الانجازات الكبيرة وأبرزها استتباب الأمن والاستقرار، لذا فان العبرة ليس فيما يقوم به الانسان المتواضع، وإنما في استجابة الآخرين لهذه الخطوة الكريمة اذا كانت صادقة ونابعة من القلب، وإلا فان في العالم الكثير من المشاهير في السينما والرياضة والطرب، الى جانب رجال الحكم والملوك والأمراء من يتجولون بين المصابين بالسرطان والامراض الخطيرة في المستشفيات، او ينحنون على الاطفال والعجائز ويقومون بحركات توحي بالتواضع ومحاكاة واقع الناس، بيد أن هؤلاء الناس لا تنفعهم الابتسامات وحتى حفنات من الدولارات بقدر ما يغير واقعهم المعيشي، هو التخفيف من وطأة النظام الرأسمالي الظالم –على الأقل- ليكون لهم نصيبٌ من الحياة الطيبة والهانئة مثلهم ومثل سائر الاثرياء.

سماحة آية الله الشيرازي يعلل فشل الكثير –إن لم نقل جميعهم- من أولئك المقمّصين رداء التواضع، في خشيتهم من تحول هذا التواضع الى باب مفتوح يُجرئ الناس على الحاكم فتزول مهابته وشخصيته التي يعدها سماحته "شخصية اعتبارية"، وليست "حقيقية"، فهي زائلة في أي لحظة بفعل الموت، او الانقلاب العسكري والسياسي، وكذا الحال بالنسبة لسائر المتقمّصين، فهم يخشون زوال مهابتهم وشخصيتهم وأن الناس "سيتجرؤون عليهم، فاذا أمسك الانسان زمام نفسه فلا يضحك ولا يبتسم مع الآخرين، او بعبارة أدقّ يتكبّر، فان الناس يخافونه، أما اذا اصبح مثلهم فانهم يتجرؤون ويضغطون ويلحّون عليه".

بينما يذكرنا سماحة آية الله الشيرازي بسيرة النبي الأكرم وهو أول زعيم وحاكم في الإسلام، "فكان نصف الذين يأتون الى النبي، صلى الله عليه وآله، يوقظونه من نومه في أزمات راحته فيؤرقونه ويفعلون ما لا ينبغي في محضره، ولكن هذا شيء طبيعي، فكان فينا كأحدنا –يقول أمير المؤمنين- هذه الصفة كانت موجودة لدى النبي الأكرم، ولدى أمير المؤمنين".

التواضع والخطوة الحضارية المتقدمة

اذا تحدثنا عن التواضع ودعونا له، تحفيزاً وتشجيعاً للتحلّي بهذه الصفة، وحذرنا من مآلات التكبّر والتعالي من أجل تحقيق الأمن الاجتماعي والسياسي فنحن في هذا نكون من الناصحين، والمبلغين للفضائل والمحاسن ولمكارم الأخلاق، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء مرّ منها كأن لم يرَها! لعدم قناعته بجدوائيتها –ربما-، بينما العلماء ذهبوا الى أبعد من حدود النصح والإبلاغ لما يرون من دور للتواضع الاجتماعي في تحقيق ما يبحث عنه عامة الناس، لاسيما في بلدان مأزومة بالاساس سياسياً واجتماعياً وحتى اقتصادياً –مثل العراق- بسبب الفوارق الطبقية، وسياسات التمييز، والاستئثار، وكلها نابعة من فقدان التواضع الاجتماعي، فذهبوا الى تحريم حالة التكبر، وليس فقط عدّها من الرذائل.

وهذا يعطي التواضع الاجتماعي قيمة عليا لأن "التواضع يمثل قيمة حضارية"، يقول سماحة آية الله الشيرازي، وهو ينقل عن سماحة الإمام الشيزاري الراحل (والده) بأنه ضمّن التكبّر من المحرمات في كتابه "الواجبات والمحرمات"، ونقل سماحته عن أحد أكبر المؤرخين في الغرب قوله عن سبب أفول الحضارات الكبرى في العالم فقال: "انه الظلم"، وأبرز عوامل نشوء الظلم هو الكِبر والاستعلاء، وإن حملت الحضارات الفنون والعلوم والمنجزات الانسانية العظيمة، بيد أن فيروس الكِبر في النفس، ثم تحوله الى ظلم في السلوك يؤدي الى تصدّع الاخلاق التي تقوم عليها حياة الشعوب والأمم، فتنهار مع انهيار الاخلاق.

وفي غابر الزمان كان الانهيار عبارة عن دمار الانظمة السياسية مادياً ومعنوياً، كما حصل مع من عاصروا الانبياء، فيما ينجو الصالحين والمؤمنين ويكونوا هم الوارثين من بعدهم ويعيشوا الحياة الطيبة، بيد أن الانهيار في زماننا هذا فهو يأتي أولاً؛ على الناس وعلى الحياة العامة عندما يندفع المظلوم والمضطهد لأخذ حقوقه ممن تكبّر وتجبّر عليه مستخدماً في ذلك كل الوسائل، واحياناً تكون غير محسوبة، او غير محمودة العواقب، والنتيجة؛ فقدان الأمن والاستقرار للجميع، لأن المتظاهر في الشوارع لا يرى حرجاً من إحراق كل شيء بعد ضياع حاضره ومستقبله، فلا يرى شيئاً يخسره.

من هنا؛ فان التواضع الاجتماعي الذي يدعو اليه سماحة آية الشيرازي يشمل جميع أفراد المجتمع الطامح للحياة المشتركة والطيبة، فالبقدر الذي يكون فيه الافراد متواضعون فيما بينهم، يكون الانسجام والوئام، ومن ثمّ الاستقرار، فعندما يرى الفرد أنه بين افراد آخرين في المجتمع بينهم العالم، و الثري، وقائد الشرطة، والمدير العام، فضلاً عن سائر الموظفين، كل هؤلاء يتحلّون –ولو بنسبة معينة- بالتواضع الاجتماعي فانه يشعر أولاً؛ بالاستقرار النفسي، وعدم تسلل اليأس والاحباط والخيبة الى نفسه، ثم الاستقرار الاجتماعي من عدم وجود مسببات للتوتر، وفي النهاية يكون الاستقرار الأمني والسياسي عندما لا يشعر أحد أنه يعلو على آخر مهما كانت الاسباب.

اضف تعليق