ما كنا نتمنى أن يكون واقعنا العربي في زمن الاسلام السياسي بهذا الشكل الذي يندى له الجبين، بينما هم الأمل الأخير لما بقي من أحلامنا، بعد أن جربنا في سابق عهودنا أنظمة شتى يمينا ويسارا، والحصيلة فشل ذريع لم نجن منها سوى الويلات والتخلف وبؤس العيش.

واستبشرنا خيرا بقدومهم، وقلنا: آن للعدالة أن تتحقق، وللمواطنة أن تشيع، ولطريق الله أن يمهد، أليس هم المجاهدون من أجل تطبيق قيم السماء على الأرض، وانهم الزاهدون بكل شيء، وان السلطة التي كافحوا من أجل اعتلائها لا يبتغون منها مالا او جاها او منصبا، بل خدمة الناس والارتقاء بالبلدان، والحفاظ على نصوع صورة الاسلام، لكن الربيع الذي انتظرته الملايين لم يكن الا سرابا، وان خريفا مرا لابد أن يتذوقوه قسرا، واذا بالجموع نفسها التي استقبلتهم بالأحضان من المنافي وأماكن التهميش، انتفضت ضدهم، مطالبين باجتثاثهم حتى لا يبقى منهم أثرا، وهكذا فقدنا الأمل بالجميع، العملاء والمناضلين والمجاهدين. وصرنا بمواجهة المجهول، لا نعرف للإنسان قيمة، ولا للدولة هوية.

وهذا ما يُراد لنا أن نكون عليه دون أي خطو للأمام، وسيحرص الأعداء الذين تعرفون على بقائه، فقد جربوا معنا كل ألوان السياسة، وانتهوا الى ان أعمق تمزيق للأوطان وضياع للشبان سيكون على يد اسلاميهم، فكيف الحال عند الباسهم جبرا ثوب الديمقراطية المهلهل الذي يتعذر عليهم فصاله على مقاس واقعنا وثقافتنا، مع ان جوهر مضمونه لا يتقاطع مع عقيدتنا؟

في دواخل الاسلام السياسي دكتاتورية صارمة تنبع من تطرفهم بصحة ما يرون، لكن الزمان ما عاد مناسبا لمعاداة الديمقراطية صراحة، فرفعوا كذبا شعارها عاليا، بينما جميعهم راغبون حد الموت بالسلطة، يسعون لها بشتى السبل، وأن أمسكوها لن يغادروها حتى احتراق البلدان. فما فوق الطاولة وجه مزيف للديمقراطية، وما تحتها دكتاتورية تحرك الأشياء بحسب الهوى.

أليس من التناقض أن تكون الديمقراطية مجالا لانتعاش الطائفية والمحاصصة واعتلاء الفاشلين دوائر صنع القرار وما يتبعه من شيوع للفساد وتفش للجريمة وانتهاك لقيم المواطنة؟ بينما أُريد بالديمقراطية بعد قرون من النضال تحقيق العدالة وتقديس الانسان وبناء دولة المؤسسات، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق في بلادنا، وبدل ان نرتقي في اجوائها، وجدنا أنفسنا في المؤخرة تحضرا، وفي المقدمة فسادا.

أليس من الغرائب أن تشهد تجارة المخدرات روجا في زمن حكام الإسلام السياسي، وأن تكون البلاد ممرا، والشباب مرتعا، حتى بلغ عدد الضحايا 17 الف شاب بحسب ما اعلن مؤخرا. أليس من المضحك أن يُتهمون بالفساد.

ولكي يصير المأزق خانقا والصورة قاتمة، أخرج لنا رعاة الديمقراطية من الكهوف اسلاما لا يشبه اسلامنا، متخلف في فكره، عصري في تقنياته، خبير في المواقع الالكترونية، ماهر في أساليب الاقناع، لكنه يتغابى في فهم معنى الإخوة في الوطن والعقيدة، استبدل عدونا الذي على مرمى بصر بآخر من جلدتنا.

أخشى ما نخشاه من أفعالهم، ليس الفشل في قيادة البلاد، فالواقع المدمر رأيناه، ولا نتوقع له تعافيا، بل تشويه صورة الاسلام في الأذهان، وهذا ما بدا جليا لدى شبابنا بعد ان كان مقتصرا على ما هو خارج الحدود، وسيبني الأعداء على ذلك ليجعلوا من الاسلام تهمة او جريمة، فيتنصل شبابنا منها، او عدم الكشف عن دينهم عندما تكون لهم في ذلك حاجة. ومع خطورة ما نتوقع على مستقبل ديننا، لا يعيره الاسلاميون بالا، لا الذين يعملون في الظلمة ولا العاملين في النور.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق