آراء وافكار - مقالات الكتاب

إعرف حقك

حين ننشر اليوم وفي هذه الصفحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإننا نستذكر جميع المنتهكة حقوقهم في الخصوصية والرأي والفكر والعقيدة، نستذكر الانسان المعذب والمقموع والمكسورة شوكته والمحروم من ابداء رأيه، سواء أكان هذا الانسان امرأة او رجلا او طفلا، إذ مازالت المرأة تتعرض للعنف بأشكاله كافة، وما زال الطفل يعنف في الاسرة والمدرسة.

الهدف من نشر نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان ليعرف هذا الانسان حقوقه فيدافع عنها ولايسمح بانتهاكها، كذلك فنحن نريد ان نقول ان مؤسساتها تشريعية وتنفيذية تتبنى مواد هذا الاعلان وتدافع عنه في وجه منتهكيه.

تستذكر جميع دول العالم اليوم العالمي لحقوق الانسان (10 كانون الاول) وتراجع مواد الاعلان العالمي لحقوق الانسان بوصفه معيارا لسلوك المؤسسات والافراد لميزان الحقوق بشتى اصنافها (سياسية وثقافية واقتصادية).

الإنسان المقموع سواء كان أبا أو أمّا لا يستطيع ان يربي اجيالا تبني المستقبل، وفي المجتمعات التي تسودها انظمة استبدادية لا يمكن ان يكون لحقوق الانسان فيها اي مجال، بل تتحول هذه القيمة الانسانية الى نكتة يطرحها مترفون خارج اللحظة السياسية الاستبدادية.

وبقدر تعلق الامر بالمجتمع العراقي الذي عاش اكثر من ربع قرن في ظل النظام الواحد والحزب الواحد والمنهج التربوي والاخلاقي التسلطي الذي اشتغل طوال هذه السنوات على بناء انسان مهان مذل ممتهن داخل الاسرة والمدرسة منذ طفولته، ومن ثم تتلقفه المنظومة السياسية والعسكرية التي تمارس ضده شتى انواع الامتهان والترويض حتى تفقده كل معالم انسانيته وليست حريته فقط.

في ظل الانظمة السياسية الاستبدادية يعيش الانسان إن أراد لحياته ان تستمر، حياة مفرغة من كل روح المبادرة والابتكار والاعتزاز بالذات، ففي ظل آليات طحن الذات الانسانية ووسائل الترويض ليس امام الانسان إلا الانصياع والخضوع، فثقافة الذل والمهانة لا تصنع إلا إنسانا خاويا مطيعا مستسلما.

مع أن الدستور أغلق جميع البوابات التي يمكن ان تشرعن انتهاكات حقوق الانسان.

في الباب الاول (المبادئ الاساسية) وفي المادة (ثانيا/ ب) نص الدستور: (‌ب- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية)، لكن للاسف مازالت الانتهاكات مستمرة، بل يفلت من يمارسها من طائلة القانون بوسائل متعددة.

قد تحدث هذه الانتهاكات بسبب عدم معرفة الانسان بحقوقه، او لان من يمارس انفاذ القانون يجهل المنظمة القانونية التي تنظم هذه الحقوق، او هي ثقافة موروثة في عهود الاستبداد والدكتاتورية التي غادرناها منذ 2003.

للأسف أحيانا يتم تجاهل انتهاكات حقوق الانسان، بل قد يصل الامر بالبعض الى عدها من المسكوت عنه، وهذه الآلية تسمح لتلك الجرائم ان تسود.

وهنا فالمسكوت عنه ربما يتعلق بالحريات الفكرية، بل حرية التعبير عن الرأي بشكلها الأوسع والأعم وهو ما ينافي الحريات الفكرية والبحثية، وقد استسهل الكثيرون هذا المسكوت عنه، وكأننا لسنا بحاجة للحديث عن هذا الشأن المهم في حياة المجتمع مما له تأثير مباشر في تطور الحياة وتقدمها.

ولا أدري من أطلق عبارة المسكوت عنه ليضع اللجام في الأفواه والقيد على العقول ان لا تفكر به، فاستسهل الباحثون والكتاب هذا الامر، فتم القفز على الكثير من المشكلات والاشكاليات وعدم مناقشتها او تفحصها ومن ثم البحث عن حلول لها بحجة المسكوت عنه.

واذا كان الغزالي قد تحدث عن (إلجام العوام) فلا يمكن إلجام الخواص والنخب، ما يؤسف له ان هذا الامر يخضع احيانا للاوهام والوساوس والشكوك.

(يقول الامام علي ابن الحسين (ع) (إن الله تعالى ما بعث أنبياءه إلا بالكلام وليس بالسكوت، وإن الجنة لا تستحق إلا بالكلام وليس بالسكوت).

وبهذا تصبح (كنسلة) التفكير مؤامرة على العقل وإطفاء أنواره لكيلا تكشف بعض الزوايا لانه ممنوع من إنارتها او السير فيها، وهو ما يعطي الاميين والمزورين دورا كبيرا بل يفتح الباب امامهم على مصراعيه، ما يجعلهم مصادر لتلويث العقول وإخراجها عن فطرتها حتى.

الحجر على الرأي والفكر يجعل المجتمع يعيش في حالة من الجمود الفكري الذي يحول الافراد الى نعاج والمجتمعات الى قطعان يسهل قيادتها من قبل الجهلة وأنصاف الأميين.

لأنَّ من تستلب حريته ويسطح وعيه يتحول الى إنسان بلا إرادة، فلا يمكن الحديث عن عودة الروح الى الجسم الاجتماعي إلا من خلال حرية الفكر، فمسلوب الارادة والحرية، لا روح له ولا طاقة لديه، فيقع فريسة سهلة لخطابات التحريض على الكراهية والقتل. إنَّ حرية التعبير عن الرأي هي الركيزة الأساسية في العملية الديمقراطية، كما أنها الحرية الأُم لسائر الحريات الفكرية الأخرى، ومظاهرها تتعدد فقد تكون قولاً أو كتابة أو عن طريق تشكيل وإنشاء الجمعيات أو عقد الاجتماعات والتجمعات وغيرها من المظاهر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق