نجاح قيام الحكومة الإسلامية إستنادها إلى شرط (اللين والرحمة) في جميع ما يصدر عنها من تشريعات وقرارات وسياسات وإجراءات. فان كانت كذلك؛ فهي حكومة إسلامية. وإن إتبعت سياسة القوة المفرطة والعنف المفرط، تحت مبررات أمنية، أو اجتماعية، أو دينية؛ فهي ليست بحكومة إسلامية، وإن كان قادتها يدّعون ذلك.

 حيث قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، وفي عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر قال: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان، إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاّك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنّه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولنّ إنّي مؤمّر أمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرّب من الغير).

 بناء على هذا المنهج الإلهي؛ استوقفني كلام آية الله السيد محمد الشيرازي "رحمه الله" والذي يؤكد فيه أنه (يكفي الإنسان أن يلقي نظرة سريعة على الآيات والروايات الشريفة المتطرّقة إلى منهجية الرسالات السالفة في إدارة البلاد وهداية العباد، فيتجلّى له واضحاً أنّ كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة، قد دعا إليها جميعها. فما هي تلك السياسة التي اتّفقت عليها رسالات السماء؟، إنّها سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين، وذلك هو صريح الآية الشريفة (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فان الانفضاض من حول الرسول (صلى الله عليه وآله) بترك الالتزام بأوامره ونواهيه وإهمال تعاليمه محرم، والفظاظة والغلظة مقدمة موصلة لذلك فهي محرمة تحريماً مقدمياً، والعكس بالعكس فإن الرحمة واللين والرفق موجبة لاجتذاب الناس إلى الدين وتعاليمه وقياداته فهي واجبة).

 ومن نتائج القوة المفرطة والعنف المفرط في التعامل مع الشعوب، هي غضب الناس على الحكومة القائمة وعلى قادتها، وعلى من يحكم باسم الإسلام عموما، لأن الناس سيسندون سياسة القوة والغلظة إلى الإسلام نفسه، ويحملون المبادئ الإسلامية والقيم الإسلامية مسؤولية التصرفات الخشنة للقادة الدينيين الذين يحكمون البلاد فيؤذون العباد، فلولا خشونة الإسلام وغلظته لما كانت خشونة القادة الإسلامين وغلظتهم، وهو استنتاج غير صحيح، ولكنه مبني على واقع سلوك من حكم باسم الدين وهم كثر.

 يقول آية الله السيد مرتضى الشيرازي (والواقع الخارجي طوال مئات السنين وعبر ألوف القيادات وعلى مساحة مئات الدول يشهد بذلك، فإن سوء تصرف قادة ورؤساء الدول الإسلامية على مرّ التاريخ أوجب صدود الملايين من المسيحيين والبوذيين وغيرهم من الدخول في الإسلام، بل وأن تصرفاتهم الخشنة المستبدة أوجبت خروج الكثير من المسلمين من دين الله أو من دائرة التدين والإيمان فأصبحنا نشهد (ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً) بدل الحالة التي أشارت إليها الآية الكريمة (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً) وما أمواج العلمانية الهادرة في بلادنا، وما سوء سمعة الإسلام والمسلمين لدى عشرات الملايين من الناس إلا من نتائج استبداد حكامنا وجورهم وظلمهم وعنفهم وقسوتهم وغلظة قلوبهم وفظاظة ألسنتهم وأيديهم وسائر جوارحهم).

 نعم واضح أن سياسة (اللين) تعني التعامل بلطف ويسر مع الناس، والرفق بهم، والعفو عنهم. فان كان أحد الناس قد أساء إليك قولا أو فعلا، أو تجاوز على حقك أو حق أحد من أسرتك، فلا تبادره بالإساءة نفسها، ولا بالتجاوز نفسه، بل تعامل معه بلطف ويسر وعفوا، لأن ذلك من أخلاق المسلم الحميدة. وهذا السلوك الحميد يمكن أن يكون على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة المؤمنة، فالإساءة صادرة عن شخص إزاء شخص أخر، يملك حق القصاص أو حق العفو، أو من شخص أو عدة أشخاص إزاء مجموعة أشخاص يملكون حق القصاص أو العفو، كون الضرر وقع عليهم خاصة، دون عامة الناس.

 ولكن كيف يمكن أن تحكم حكومة باسم الإسلام أو تستمر في الحكم لسنوات عديدة، وهي تتبع سياسة (اللين والرحمة) مع جميع رعاياها، وتساوي بين المحسن والمسيء، بين السوي والمجرم، بين المعتدى عليه والمعتدي، بين الصالح والطالح، كونها مأمورة بسياسة اللين والرفق والرحمة مع جميع الناس، فلا تفرق بين أحد منهم أبدا؟

 كيف يمكن أن تتنازل هذه الحكومة عن حقها في حفظ النظام والأمن، وتصون حقوق الناس وحرياتهم، وهي لا تحرك ساكنا إزاء التصرفات الإجرامية التي يرتكبها بعض رعاياها؟ فهل يمكن أن نتصور حكومة كهذه تقوم أو تستمر في الحكم وحالها كهذا؟ وهل كانت حكومة الرسول (ص) وحكومة الخلفاء من بعده، وحكومة علي أبن أبي طالب(ع) تتبع سياسة اللين واليسر والرحمة مع جميع الرعايا، بمعنى عدم محاسبة المسيئين على إساءتهم؟ وإذا كان الأمر كذلك فما فائدة أحكام القانون الجنائي، وقانون المعاملات المدنية، وقانون المرافعات، والقضاء والأحكام وغيرها؟ هذا من جهة.

 ومن جهة أخرى، أن من شروط قيام الحكومة (أي حكومة) أن تكون قوية ومقتدرة، وصاحبة سلطان وهيبة، ورهبة، وتحكم بين الناس على أساس القوانين العادلة، وتأخذ الحق من الظالم أيا كان، وتعطي الحق للمظلوم أيا كان. وتحاسب كل من يخالفها أو يخالف نظامها وقانونها وأحكامها، وإلا فإنها لا تدوم طويلا، بل في الغالب لا تقوم أصلا، ولا ينبت لها عود.

 فالحكومة الإسلامية كبقية الحكومات لا تحكم في مجتمع ملائكي، بل في مجتمع بشري (ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها) وهؤلاء الناس فيهم الخير وفيهم الشرير، فيهم السوي وفيهم المجرم، فيهم من يعطي من حقه، وفيهم من يسرق من حقوق الناس، فيهم الصادق وفيهم الكاذب، وهكذا. وعليه؛ فليس الناس كلهم يطيعون النظام والقوانين، بل في الغالب أن الناس يميلون إلى مخالفة الأنظمة والقوانين، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لاسيما إذا كان لا يترتب عليها عقوبة ما، الأمر الذي يعرض الحكومة ونظامها وقوانينها وإجراءاتها لخطر الزوال، عاجلا أم آجلا؟

 فعلى سبيل المثال؛ لكل دولة قانون جزائي يعاقب كل من ارتكب جريمة ينص عليها القانون، وهذه العقوبات قد تصل إلى حد الإعدام أو السجن المؤبد أو الحبس الشديد، أو الحرمان من بعض الحريات، فهل مثل هذا القانون يعد خلاف سياسة (اللين والرحمة)؟

 ولو اعتدى بعض الناس على بعضهم، وتسببوا بأضرار مادية ومعنوية بحق الآخرين، وعلمت الحكومة بذلك، فهل تتعامل الحكومة الإسلامية مع الجناة بسياسة (اللين والرحمة)؟ وماذا لو اختلس موظف من الأموال العامة وضبط متلبسا بجريمة الاختلاس، فهل تتعامل معه الحكومة بطريقة (اللين والرحمة) كونها من مقومات الحكومة الإسلامية؟

 في الواقع ليس المقصود من سياسة (اللين والرحمة واللاعنف) التي نشترطها في الحكومة الإسلامية أن تتخلى هذه الحكومة عن واجباتها ومسؤوليتها في حفظ النظام والقانون، والمحافظة على الأمن والاستقرار، وإقامة العدل بين الناس إلى غيرها من واجباتها، بل المقصود أن تكون كل سلوكها في الحكم مبني على أساس حكم الله في الناس، وحكم الله هو عين اللين والرحمة والرفق.

في الواقع أن هناك ثلاث مستويات من سياسية اللين والرحمة والرفق بالمواطنين لابد أن تتكفلها الحكومة إسلامية وهي:

1. اللين على المستوى التشريعي: إن الحكومة الإسلامية ملزمة أن تصدر قوانين وأنظمة وتعليمات منسجمة مع المبادئ العامة للإسلام، ولا تخالفها، فان خالفتها فلا يصح هذا التشريع كونها مخالف للإسلام، وان أصدرت هذه القوانين والأنظمة فهي ملزمة ألا تتضمن عنفا أو قسوة أو ظلما... مثل منع الناس من بناء الأراضي الموات أو زراعتها، أو بناء المعامل والمصانع والمنازل عليها، إلا بإجازة من الدولة ورخصة وبقيود مشددة مع أن(الْأَرْضَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ عَمَرَهَا)، أو منع الناس من إعادة بناء دارهم أو بناء غرفة أخرى في منزلهم إلا بإجازة ورخصة، في الكثير من الدول أو - منعهم حتى من هدم حائط أو أي تغيير داخلي إلا بإجازة في بعض الدول!، أو منع أصحاب الشركات والمحلات من نصب لوحة أو لافتة أو قطعة على المحل تحمل اسم المحل أو الشرك.

2. اللين على المستوى الإعلامي: في العقود الأخيرة يحظى الإعلام بأهمية خاصة لدى جميع أبناء البشر، وبواسطته صار الناس في كل مكان، وفي كل دولة يتواصلون مع الناس الآخرين في الأماكن الأخرى والدول الأخرى، وصار اطلاع الناس أكثر على ما يجري يوميا في أي بقة من بقاع الأرض، وذلك بسبب كثرة وسائل الأعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن هنا فان الناس يتأثرون سلبا أو إيجابا بالأخبار والأفكار والمعارف والسلوكيات التي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة، بل الكثير منهم يبني أفكاره وسلوكه على ما سمعه أو شاهده في تلك القنوات والوسائل. ولذلك فان وسائل إعلام الدولة الإسلامية ينبغي أن تكون مبنية على أساس اللين واللاعنف، وعدم تهويل الأحداث أو نقل الوقائع التي تسهم في التربية الخشنة مثل أحداث القتل والعنف وأعمال السرقة والاغتصاب وغيرها من الأعمال الإجرامية.

3. اللين على مستوى التنفيذ: قد تشريع الحكومة الإسلامية قوانين لينة، وقد يكون برنامجها الإعلامي لينا ولطيفا بالناس إلا أن تنفيذها وعلاقاتها مع الشعب أو جزء منه علاقة عدائية وعدوانية تبنى على أساس استعمال القوة من خلال أجهزتها الأمنية إزاء كل من يخالفها دون الركون إلى الحوار المتبادل. والناس في العادة لا تهمهم الشعارات والأدبيات والكلمات التي يطرحها المسيطرون على مقاليد الحكم بقدر ما يلمسون ذلك في حياتهم اليومية. فاذا كانت الحكومة تستعمل القوة في كل شيء وضد كل من يخالفها ولا تسمح للناس أن يعبروا عن وجهات نظرهم فهي ليست حكومة إسلامية. وأي حكومة ترى أن موظفيها في مؤسساتها العمومية لا يقدمون خدمة للناس عن طريق احترامهم وتقديرهم بل يفرضون عليهم طرق تذلهم وتقهرهم، وتجعل منهم عبيدا لا مواطنين فهي ليس حكومة إسلامية.

 فإذا أصبح اللاعنف منهج حياة شامل، لا يستثني أحدا، حاكما أو محكوما، فهذا يعني أننا التزمنا بما دعانا إليه الإسلام، وبما طبّقه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وما علَّم به الأئمة الأطهار، وهذا يعني بأننا مقبلون على صنع حياة مدعومة بالسلم والاستقرار، ومحمية باللاعنف والعدل والسلام.

...........................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق