التطور الكبير الذي شكّل مكونات وموجودات ومواصفات عالم اليوم، صنع فجوة واسعة بين الأمس واليوم لا يمكن ردمها، فقد حدث تغيّر واختلاف بين الاثنين في جميع المجالات، وأبرزها وأكثرها وضوحا التغيّر المادي، سواء ما يتعلق بالعمران أو بتطلعات الإنسان وانفلات نزعته في الامتلاك وتنوّع وعشوائية الاستهلاك، فعند المقارنة بين الأمس (الماضي) واليوم الذي نعيشه، سوف نلاحظ التغيير الحاد في السلوك البشري، وتكالب أهدافه على الاستحواذ، مما أحاطه بسلسلة حديدية من الجشع.

حين ينحصر الاختلاف بين الأمس واليوم في تطور البشرية، من حيث التفكير والتقدم، فهذا أمر طبيعي، ولا يجب لأحد الاعتراض على ذلك لأن طبيعة الإنسان تتميز بالتطور، والسير إلى أمام فكريا وعمليا، ولا فائدة من إنسان يبقى يراوح في مكانه، أو يتراجع إلى الوراء، لكن المشكلة الكبرى تحدث عندما يصبّ هذا الاختلاف والتقدم في تدمير البنية الأخلاقية للناس، وركوب المادية الجشعة، وتكالب المجتمع على الربحية غير المشروعة، واعتبارها نوعا من الشطارة، في ظل تفسخ القيم الحميدة، وإحلال عادات وسلوكيات لا تعبأ بالأخلاق، ولا بالقوانين، بالإضافة إلى موت الرقيب الذاتي.. الضمير.

الكسب المشروع لا غبار عليه، ولا يوجد من يعيبه أو ينتقده، على العكس سوف يُنتقَد الإنسان إذا كفّ عن كسب رزقه، وتوقف عن الطموح في إطار المنافسة المنضبطة، أو ما يطلق عليها بـ الشريفة، هذا ما كان يتميز به (الأمس/ الماضي)، أما في الحاضر فأصبح له مواصفات جديدة معظمها يندفع نحو الربحية بكل السبل والطرائق، ومن لا يسلك هذا الطريق فإنه يوصف بالفرد غير العصري، هكذا أصبح الجشع عنوانا لطبيعة الكسب بأنواعه المختلفة، مع غياب أو ضعف الروادع الذاتية والشرعية والأخلاقية.

حكاية ذات مغزى

كان هناك رجلا بسيطا يرعى غنماً لأحد الأغنياء، ويحصل على أجرته يومياً بمقدار خمسة دراهم، وفي أحد الأيام جاء الغني إلى الراعي ليخبره أنه قد قرر بيع الغنم، لأنه يود السفر وبالتالي فقد استغنى عن خدماته، وأراد مكافأته فأعطاه مبلغاً كبيراً من المال، غير أن الراعي رفض ذلك وفضَّل أجره الزهيد الذي تعوّد الحصول عليه مقابل خدمته كل يوم، والذي يرى بأنه يتناسب مع مقدار جهده الذي يبذله.

وأمام اندهاش الشخص الغني واستغرابه، أخذ الراعي الدراهم الخمسة وقفل عائداً إلى بيته، ظل بعدها يبحث عن عمل جديد، ولكنه لم يوفق إلى ذلك، وقد احتفظ بآخر أجر حصل عليه من صاحب الغنم، ولم يصرفه أملاً في أن تكون عوناً له بالعثور على عمل حتى لو كان بسيطا وأجره قليل.

كان هناك رجل تاجر في القرية التي يسكنها الشخص الذي عمل في رعي الأغنام وتوقف عمله، وكان أهالي القرية يعطون التاجر أمولاً تعود لهم كلٌ بحسب قدرته، فيسافر بها ليجلب لهم البضائع المختلفة، وعندما حان موعد سفره أقبل عليه الناس كالمعتاد يعطونه الأموال، ويوصونه على بضائع مختلفة، فكر الراعي في أن يعطيه الدراهم الخمسة علَّه يشتري له بها شيئاً ينفعه، فحضر مع من حضروا وعندما أنصرف الناس عن التاجر، أقبل عليه الراعي وأعطاه الخمسة دراهم، فاستغرب التاجر منه وقال له ضاحكاً: ماذا سأحضر لك بخمسة دراهم؟

فأجابه الراعي: خذها معك، وأي شيء تجده بخمسة دراهم أحضره لي .

الكسب الحلال مضاعَف

استغرب التاجر وقال له: إنني ذاهبٌ إلى تجار كبار، لا يبيعون شيئاً بخمسة دراهم، هم يبيعون أشياء ثمينة  وغالية.

لكنَّ الراعي أصرَّ على ذلك وأمام إصراره وافق التاجر، وذهب في تجارته وبدأ يشتري للناس ما طلبوه منه كلٌ حسب حاجته، وعندما انتهى وبدأ يراجع حساباته، لم يتبقَ لديه سوى الدراهم الخمسة التي تعود للراعي، ولم يجد شيئاً ذا قيمة يمكن أن يشتريه بهذا المبلغ القليل سوى قط سمين كان صاحبه يريد بيعه ليتخلص منه، فاشتراه التاجر وقفل راجعاً إلى بلاده.

وفي طريق عودته مر على قرية فأراد أن يستريح فيها، وعندما دخلها لاحظ سكان القرية القطّ الذي كان بحوزته، فطلبوا منه أن يبيعهم إياه واستغرب التاجر إصرار أهل القرية على ضرورة أن يبيعهم القطّ، فسألهم عن ذلك فأخبروه بأنهم يعانون من كثرة الفئران التي تأكل محاصيلهم الزراعية، ولا تُبقي عليهم شيئاً وأنهم منذ مدة يبحثون عن قطّ من هذا النوع لعله يساعدهم في القضاء عليها، وأبدوا له استعدادهم بشراء القط بوزنه ذهباً، وبعد أن تأكد التاجر من صدق كلامهم، وافق على أن يبيعهم القط بوزنه ذهباً وهكذا كان .

عاد التاجر إلى بلاده وأستقبله الناس وأعطى كل واحدٍ منهم أمانته، حتى جاء دور الراعي فأخذه التاجر جانباً واستحلفه بالله أن يخبره عن سر الدراهم الخمسة، ومن أين تحصّل عليها؟، استغرب الراعي من كلام التاجر ولكنه حكى له القصة كاملة، عندها أقبل التاجر يقبّل الراعي وهو يبكي ويقول بأن الله قد عوضك خيراً لأنك رضيت برزقك الحلال، ولم ترضَ زيادة على ذلك وأخبره القصة وأعطاه الذهب.

الخلاصة أن الإنسان عندما يكون أبيا، مؤمنا، مطمئنا بأن رزقه مضمون، ولا يطمح بما يفوق ما يستحقه، ويرفض أن يحصل على ما لا يستحقه من أموال أو سواها، فإن النتيجة سوف تكون في صالحه طال الوقت أم قصُر، ولا داع إلى اللهاث المحموم وراء المال أو سواه بغير استحقاق، ولا يجب الخضوع للنزعة المادية ذات الطابع (القطيعي)، على الرغم من أنها باتت من مظاهر الحاضر.

اضف تعليق