تعد مشكلة الحكم والحكومة من أهم المشكلات البشر على الإطلاق، قديما وحديثا، فأينما كان هنالك تجمعات بشرية ظهرت الحاجة إلى وجود حكومة تتولى إدارة شؤون هذه التجمعات البشرية والمحافظة على عيشها وأمنها واستقرارها. وقد تدار هذه الحكومة من قبل شخص واحد هو (الحاكم، أو الأمير، أو الملك، أو الزعيم، أو الرئيس، أو رئيس الوزراء...) أو تدار من (عدة أشخاص، أو من عائلة واحدة، أو من حزب واحد، أو من طائفة واحدة، أو من تكتل سياسي واحد...).

وفي الغالب؛ نتج عن وجود حاكم واحد، أو مجموعة من طيف واحد تحكم المواطنين الآخرين، وتتحكم في قدرات المجتمع وإمكاناته البشرية والمادية مصادرة للحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية لعامة المواطنين أو تجاهلها وتكريسها عند شخص واحد مستبد، أو عند جماعة مستبدة وظالمة وقاهرة.

وقد عبر الإمام علي (عليه السلام) عن استبداد أفراد قلائل بالحكم، وعن نتائج ذلك؛ بقوله: (تدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء، وأجهد العباد بلاء، وأضيق أهل الدنيا حالا اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب، وجرعوهم جرع المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، ولا سبيلا إلى دفاع...).

ومع تقادم الأيام والسنين؛ عرفت الدول الحديثة مبدأ (الفصل بين السلطات) كمبدأ سياسي للحكم، وهو يقوم على أساس فصل السلطات الرئيسة الثلاث للحكم: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، بعضها عن بعض، والدافع الرئيسي لظهور هذا المبدأ السياسي هو التخلص من ظاهرة الاستبداد الذي يترتب على تركيز السلطات في يد واحدة أو هيئة واحدة. وعلى أساس (مبدأ الفصل بين السلطات) جرى توزيع السلطة والصلاحيات على هيئات متخصصة، لكل من مهمات محددة، وتنسق هذه الهيئات فيما بينها لإدارة السلطة من دون أن تتدخل في شؤون بعضها بعضا.

إلا أن مبدأ (الفصل بين السلطات الثلاثة) وإن كان خطوة إلى الإمام لتفكيك الاستبداد عبر تفتيت السلطة وتقسيمها إلى السلطات الثلاثة، لكن هذه الخطوة ليست كافية ابدأ، نظرا لامتلاك السلطة التنفيذية قدرات هائلة جدا، حتى بعد فصل القوة القضائية والسلطة التشريعية عنها، وامتلاك الأخيرة صفة الرقابة على السلطة التنفيذية، إذ تتمركز في أيدي السلطة التنفيذية عمليا كافة أدوات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها، كالجيش والشرطة والمخابرات، وكالضرائب والثروات الطبيعة والصناعات، وكالخارجية والداخلية، والكهرباء والماء والطاقة، وكالتعليم والتربية والإعلام والثقافة. وتمركز القوة في أيدي السلطة التنفيذية أكثر وضوحا في الأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسية.. إضافة إلى التفاف السلطة التنفيذية على البرلمان والقضاء، أو تضليل النواب والقضاة أو شراء ضمائرهم لم يعد صعبا على الحكومات، بل أصبح امرأ واقعا حتى في الحكومات الدمقراطية.

من هذا المنطلق طرح المفكر الإسلامي آية الله السيد مرتضى الشيرازي فكرة (السلطات العشرة والبرلمانات المتوازنة) وفيها قسم السلطات الثلاثة المعروفة (التشريعية والتنفيذية، والقضائية) إلى عشر سلطات رئيسة، وعشرة أخرى فرعية، وتتوزع المسؤوليات والصلاحيات والاختصاصات فيما بينها كل بحسب اختصاصه من دون أن يكون هنالك تحكم أو سيطرة لسلطة على سلطة أخرى.

والسلطات العشرة الرئيسة التي يقترحها الشيرازي كصيغة متطورة وحديثة لمبدأ الفصل بين السلطات هي: ( السلطة التشريعية؛ وهي السلطة التي تتكون من عشرة برلمانات متوازية، بمعنى أنها تتمتع بالصلاحيات اللازمة لأداء مهماتها المختصة بها، والسلطة التنفيذية التي تتكون من عدة هيئات (وزارات) لكل منها تخصص ومهام محددة، والسلطة القضائية، وهي تتكون من سلطات ستة متخصصة، وتتولى انتخاب رئيس السلطة القضائية، وسلطة الإعلام والصحافة، وسلطة مؤسسات المجتمع المدني، وسلطة القوة العسكرية، وسلطة القوة الاقتصادية، وسلطة الخبراء وذوي الاختصاصات الرفيعة، وسلطة الذين لا تمثيل لهم في البرلمان لمختلف الأسباب، وسلطة القيم والمبادئ الإنسانية العليا).

وأما السطات الفرعية العشر التي يرى الشيرازي أهميتها في تدعيم السلطات الرئيسة فهي: (سلطة دول الجوار، وسلطة الأمم المتحدة، وسلطة الأقليات، وسلطة العلماء والقادة الروحيين، وسلطة العتبات المقدسة، وسلطة هيئة المصالحة الوطنية، وسلطة الرقابة والمحاسبة، وسلطة العمال والفلاحيين والمهجرين، وسلطة الأجيال القادمة، وسلطة المجتمعات الإنسانية الأخرى)

ولا شك أن كل من طالع كتاب (السلطات العشر والبرلمانات المتوازنة) للعلامة مرتضى الشيرازي يرى أن فكرة السلطات العشرة هي فكرة جديدة ومتميزة، وفيها رؤية لمستقبل أجيال يمكن لها أن تسهم في استقرار المجتمع الإنساني، وفي تطويره وتنميته من خلال مشاركة حقيقية وفعالة لكل فئات وطبقات المجتمع، ومن خلال بناء علاقات إنسانية على أساس وحدة الجنس البشرية ووحدة مصيره. ولعل من أهم ما يميز هذه الأطروحة في الحكم والسلطة هو ما يأتي:

1. إنها تقدم إضافات كمية وكيفية وجوهرية لفكرة الفصل بين السلطات. فأما الكيفية؛ فمن خلال توزيع الحكم على عشر سلطات متوازية ومتكافئة ومتعادلة، بالإضافة إلى عشر سلطات فرعية، تأخذ بنظر الاعتبار احتياجات المجتمع الإنساني على المستوى الدولي، وعلى أساس النظرة للمستقبل وتأمين حياة أفضل للأجيال القادمة. وأما الكيفية فأنها أخذت بالحسبان عامل الكيف في ترشيد قرارات ممثلي الشعب.

2. إنها قامت بدمج المبادئ الإنسانية العليا في عملية صناعة التشريعات والقرارات. ولم تعد تلك القيم والمبادئ على وفق هذه النظرية مجرد أفكار أخلاقية يمكن الاسترشاد بها أو ركنها جانبا بل هي ملزمة للسلطات العشر من خلال مسؤولياتها وتخصصاتها..

3. إنها عملت على تعميق المشاركة الشعبية لكل فئات ومكونات وطوائف المجتمع وهيئاته، مثل تأسيس سلطة باسم (سلطة المجتمع المدني) كعنصر فعال في صناعة التشريعات في البرلمان.

4. إنها ضمنت وجود ممثلين في إدارة البلاد عن جميع المواطنين، سواء كانوا قد اشتركوا في الانتخابات وأدلوا بأصواتهم، أم لم يشتركوا من خلال تأسيس (سلطة الذين لا تمثيل لهم في البرلمان لمختلف الأسباب) وهي فكرة رائعة تستحق النظر فيها.

5. إنها رفعت من شأن مشاركة السلطة الرابعة في إدارة الحكم (الإعلام) من أجل مشاركة حقيقة وفعالة في قرارات الحكومة لتكن جزء من عملية صناعة القرارات، وتشريع القوانين، واختيار المسؤولين.

6. إنها اقترحت أن تتألف السلطة التشريعية من عشرة برلمانات متوازية ومتكاملة وترتبط فيما بينها عن طريق لجان مشتركة، ولها صلاحيات واسعة كل بحسب تخصصه.

7. إنها أسست لسلطت جديدة غير معهودة من ذي قبل مثل (سلطة المجتمعات الإنسانية، وسلطة الأجيال القادمة).

8. إنها أضافت -على مستوى العلاقات الخارجية والدولية- ضمانة جديدة لحلال السلم والاستقرار الإقليمي والدولي، وإبعاد شبح الحروب عن البلاد عبر مقترح (سلطة دول الجوار) و(سلطة الأمم المتحدة)

وخلاصة الموضوع، نرى الآتي:

1. إن نظرية (السلطات الرئيسة العشرة) مع (السلطات الفرعية العشرة) هي نظرية أكثر تكاملا من نظرية (فصل السلطات الثلاثة) التي ستتكون من (عشرين سلطة) بين أصلية وفرعية.

2. إن نظرية (البرلمانات المتوازية) والتي تتكون من (عشر برلمانات) هي نظرية أكثر توسعا وتخصصا وصلاحية من نظرية (سلطة تشريعية واحدة) أو (سلطة تشريعية وفيها لجان متخصصة، أو غرف برلمانية متخصصة) أو (سلطة تشريعية تتكون من مجلسين منفصلين).

3. إن نظرية (السلطات العشر والبرلمانات المتوازية) بما تضمنته من بنود تفصيلية كثيرة هي الأقدر على تأسيس سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية معبرة بشكل أكمل وأشمل عن إرادة الشعوب وحفظ حقوقها جماعات وأفرادا.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق