تفردت علاقة المنطق بفكرة الحوار بخاصية مميزة، فارقت بينه من هذه الجهة مع باقي العلوم والمعارف الأخرى على أقسامها، تحددت هذه الخاصية في النظر إلى ظاهرة الحوار بما هي ظاهرة. فالنظر هنا متجه إلى الظاهرة ذاتها، بقصد تصويبها وتسديدها، لكي تجري عملية الحوار بطريقة سليمة وصحيحة، متقيدة بالمنهج، ومنضبطة بالقواعد والأصول التي يعرف بها علم المنطق.

وقد جاءت نشأة المنطق تاريخيًا في العصر اليوناني القديم، استجابة لمجابهة ما عرف آنذاك بالنزعة السوفسطائية التي اشتدت هناك، وطغت على الحياة العامة، اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا، وجلبت معها حالة من الفوضى، وأعاقت طرق التواصل والتفاهم بين الناس، وتحولت إلى شبه مهنة يراد منها التكسب، متداخلة مع مهنة المحاماة، وعدت نوع مهارة حجاجية وخطابية، يراد منها التفاضل على الآخرين بالتغلب عليهم باستعمال الحجج الزائفة.

وهذه النزعة في أصلها نزعة جدلية قائمة على صناعة المغالطات، والتفنن بالمماحكات الزائفة، والتلاعب بالألفاظ، وعدم الاعتراف بوجود الثوابت، والميل إلى الشك في كل شيء، واعتبار الإنسان نفسه هو مقياس الحقيقة، فهو الذي يقرر الصواب، وهو الذي يقرر الخطأ. ومن ثم فليست هناك مشتركات يمكن الاتفاق عليها، ولا جواهر يمكن التسالم بها، ولا ثوابت يمكن الركون إليها.

وجاء المنطق لمجابهة هذه النزعة ودحضها، ومثل ثورة عقلية عليها، ساعيًا لبيان فسادها، وكشف زيفها، وفضح تلاعباتها، والتأكيد على تهافت مشاغباتها ومماحكاتها. وقد تمكن المنطق من التغلب عليها، معلنًا انتصار الحجج السليمة على الحجج الزائفة، مفارقًا بين البراهين الصحيحة والبراهين الفاسدة، معيدًا إلى الفكر تماسكه، وإلى التفكير موازينه، مرسخًا النظام، ومتخلصًا من الفوضى.

فتلاشت هذه النزعة الهدامة واندحرت، وبقي المنطق علمًا متسيدًا، حاضرًا في قلب المعرفة الإنسانية، محافظًا على موقعيته السامية، عابرًا بين الأجيال، ممتدًا من الأزمنة القديمة إلى هذه الأزمنة الحديثة.

ونتيجة لهذه الصلة التاريخية القديمة أصبح الحوار من موضوعات المنطق، متفردًا بهذا الموضوع ومتميزًا، ملتفتًا إليه تصويبًا وتسديدًا، معتنيًا به ضبطًا ومعيارًا، متخذًا من البرهان دليلا له، ومن الحجة سبيلا، ومن العقل نهجًا ونظامًا، ناهيًا عن المغالطات صناعة وتعمدًا، وعن المماحكات افتعالا وتقصدًا.

على رغم أن معظم موضوعات المنطق إن لم يكن جميعها، لها صلة بوجه من الوجوه بقضية الحوار، إلا أن الظهور الأوضح لهذه القضية، تمثل متجليًا في موضوعين هما: الأول: صناعة الجدل أو آداب المناظرة، والثاني: صناعة المغالطة بأقسامها اللفظية وغير اللفظية.

وبهذين الموضوعين إلى جانب موضوع الخطابة، ينتقل المنطق من عالم الذهن إلى الموضوعات الخارجية، متجهًا إلى الجماعة الإنسانية، ناظرًا إلى أحوال البراهين والاستدلالات والحجج في عالم الناس، بما يتجاوز نطاق الفرد، منبهًا من جهة على طريقة الجدل وآداب المناظرة، وناهيًا من جهة أخرى عن صناعة المغالطة تعمدًا واتباعًا للحجج الزائفة.

ومن هذه العلاقة بين المنطق والحوار، انبثق مفهوم الحوار المنطقي، ويراد به نمط من الحوار يكون متقيدًا بقواعد المنطق وأصوله، ضوابطه وموازينه. ويعد هذا النمط الحواري من أجود أنواع الحوارات وأرقاها درجة.

ومن طبيعة هذا الحوار المنطقي أنه لا يحدث عادة بطريقة عفوية، ولا يجري غالبًا في الحالات العادية، ولا يكون ساريًا كثيرًا في أوساط العامة من الناس. وإنما يعرف به أهل العلم وأصحاب المعرفة والحكماء الذين يحسنون صناعة الحوار، ويلتفتون إلى ضوابطه المنطقية.

ويفترق الحوار المنطقي من ناحية الطبيعة عن الحوار الديني أو الحوار الثقافي أو الحوار الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، فهذه الأنواع من الحوارات تكون ناظرة إلى طبيعة المجال الذي تنتسب إليه، فالحوار الديني يراد به الحوار الذي ينتسب إلى المجال الديني مناقشًا قضايا الدين ومسائله، والحوار الثقافي يراد به الحوار الذي ينتسب إلى المجال الثقافي مناقشًا قضايا الثقافة ومسائلها، وهكذا بالنسبة إلى الأنواع الأخرى. أما الحوار المنطقي فيكون ناظرًا إلى طبيعة الحوار نفسه، متسمًا بضوابط المنطق وموازينه.

لهذه الخاصية، فإن جميع أنواع الحوارات وأقسامها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها تكون بحاجة إلى الحوار المنطقي، فالحوار الديني بحاجة إلى الحوار المنطقي، تقيدًا بضوابط الحوار وموازينه، تصويبًا له وتسديدًا. وهكذا الحال بالنسبة إلى الحوار الثقافي، والحوار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره من أنواع الحوارات الأخرى.

ومن هنا تتأكد قيمة الحوار المنطقي، وتتكشف أهمية علاقة المنطق بفكرة الحوار.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

اضف تعليق