آراء وافكار - مقالات الكتاب

البديل عن العنف

هل هناك بديل عن العنف؟ هل يأتي البديل سريعاً؟ هل أن اختيار اللاّعنف يعني تخفيض سقف المقاومة أو خيار المقاومة؟ هل نحتاج إلى إدخال فلسفة اللاّعنف في مناهجنا الدراسية، بعد أن قلنا أن العنف هادم، في حين أن اللاّعنف هو بناء، هو يَبني والعنف يدمِّر؟ هل يستطيع الإنسان أن يتخطى ضعفه ويلجأ إلى خيارات اللاّعنف منتصراً على ذاته أولاً وعلى الآخر ثانياً؟ النصر هنا سيكون نصرين:

الانتصار على الذات، لأنه بإمكانك أن تستخدم العنف، لكنك لا تستخدمه وستنتصر على الآخر حين ينتصر اللاّعنف على العنف. ولهذا اطلق مارتن لوثر كينغ على اللاّعنف "قوّة المحبة"، وأسماه غاندي "القدرة على المقاومة" و "قوة الحقّ والتسامح"، وقال عنه مانديلا "أنه مصالحة وعدالة وحرية"، أما تولستوي فقد اعتبره "مساواة وتسامح".

يمكن أن نقول نعم للمقاومة ولكن لا للعنف. المقاومة نعم لها وباللاّعنف. إنها السلاح الأفضل. انتفاضة العام 1987 في فلسطين المحتلة انتصرت على المحتل الإسرائيلي باللاّعنف، انتفاضة الحجارة كان لها صدى كبير على المستوى العالمي، ودخلت حتى كلمة انتفاضة في القواميس العالمية بسبب كونها لم تستخدم العنف.

اللاّعنف بهذا المعنى هو مُنتج حضاري مدني وعصري وإنساني، وهذا هو القاسم المشترك الأعظم.

يمكن الحديث عن سيادة اللاعنف كطموح مستقبلي ارتباطاً بتحويل الحاجات إلى فرص ليس على المستوى الفردي وانما على المستوى الجماعي.

فاللاّعنف يمكن اعتباره قضية قانونية بقدر ما هو قضية ثقافية وسياسية وإجتماعية ودينية في ذات الوقت، ولذلك يمكن أن نتحدث عن الأديان ورسالة اللاّعنف بهذا المعنى.

في رواية دستوفسكي الشهيرة "الأخوة كارامازوف" يتحاور ايفان وايلوشيا وهما شقيقان بخصوص عذاب الاطفال. يقول ايفان لشقيقه بما معناه القصاص أو العقاب عندي لا يساوي دمعة من عين طفل. أوَ تقول لي (يخاطب أخيه) إن الجلاّدين سوف يتعذبون في الجحيم، أي في اليوم الآخر؟ لكن يتساءل ما جدوى ذلك؟ إنه يطلب الغفران وزوال العذاب.

إستذكرتُ هذا النص وأنا اقرأ كتاب جان ماري مولر الذي هو بعنوان "نزع سلاح الآلهة المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللاّعنف"، خصوصاً بعد حوار دار بين أحد الزعماء الشيوعيين الجزائريين واسمه بشير الحاج علي، حيث كان الجلاّد يعذبه، وكان بين جلسة وأخرى يرفع رأسه من المغطس، ويسمع ألماً وأنيناً وكلمات تصدر من أحد الشباب الذين يُعذَبون معه يقول: "سنعذّبهم مثلما يعذبوننا"، حتى وهو في هذه الحالة أراد أن ينشر ثقافة اللاّعنف، فأجابه على الفور وهو بعد جلسة مغطس حيث رأسه في الماء كاد أن يختنق إلى أن يرفعه الجلاّد إلى الأعلى، قال له :"وما الفرق إذن بيننا وبينهم؟ لو مارسنا ما يمارسه الجلاّدون، سنكون نحن وإيّاهم في قارب واحد أو أننا سننام في سرير واحد"، هذا هو الذي أسماه دستوفسكي التناغم الابدي، هل يصبح اللاّعنف بعد هذا الحديث مستحيلاً، أم أنه ممكن؟ وهل التغيير ممكن باللاّعنف؟ نقول نعم ممكن التغيير باللاّعنف إنّما بتوفر شروطه.

حصل التغيير في بعض بلدان ما يسمى بالربيع العربي باللاّعنف. لا نريد أن نعمّم ولكن هذه التجارب علينا أن نتوقف عندها ونحن نشاهد فوضى العنف موجودة في سوريا واليمن وليبيا، فكيف السبيل إذن لنشر وتعميم ثقافة اللاّعنف وتجنيب الشعوب ويلات استفحال ظاهرة العنف؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق