ربما يلاحظ بعض قرّائي واصدقائي انني لا اذكر "التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية لبلدنا" الا قليلا. وهذا ليس نسيانا ولا انكارا ولا تقليلا لدور هذه التدخلات وتأثيرها الكبير على مجرى الاحداث عندنا. فالتدخل الاجنبي يكاد تكون ظاهرة عالمية. فها نحن نشاهد دولا مختلفة تسعى الى التدخل بشؤون الدول الاخرى تحقيقا لمصالحها الخاصة. ولا مجال لاغفال النظر عن هذه الظاهرة الدولية.

لكني ارى في نفس الوقت ان قوة او ضعف التدخل الاجنبي يعتمد بالدرجة الاساس على قوة الوضع الداخلي. والعلاقة بين "العامل الخارجي" و "العامل الداخلي" عكسية وليست طردية، قوةً او ضعفاً. فحين يكون العامل الداخلي قويا يضعف العامل الخارجي، والعكس بالعكس. ولهذا اقول ان اقصر طريق للحد من تاثيرات العامل الخارجي يكمن في تعزيز العامل الداخلي وتقويته وسد اية ثغرة محتملة فيه.

كان العراق عرضة للتدخل الخارجي على الاقل منذ عام ١٢٥٨ حين اجتاح المغول (وهم قوة خارجية) بقايا الدولة العباسية في بغداد واسقطوها. وكان ذلك الحدث الجلل نتيجة حتمية لتراكم عوامل الضعف والانكسار في بنية الدولةِ الاسلامية، والدولة بدورها تمثل الكيان السياسي للمجتمع. فنحن نتحدث عن ضعف المجتمع وتفككه، ومن ثم سقوط دولته وانهيارها، سواء بفعل العامل الخارجي، او بسبب العامل الداخلي، او بسبب تفاعل العاملين.

لقد بدأ تحرك المغول وغزوهم لبلاد المسلمين (انطلاقا من شرق اسيا) قبل ٣٩ سنة من سقوط بغداد، ولكن بسبب ضعف العامل الداخلي لم يتمكن المسلمون من صد المغول عن بلدهم الى ان انتهى الامر باحتلال بغداد في غرب اسيا. وصف المؤرخ ابن الاثير المعاصر للغزو المغولي المتوفي سنة ٦٣٠ هجرية اي قبل سقوط بغداد بست عشرين سنة احداث سنة ٦١٧ وما سبقها وهي التي شهدت بداية خروج المغول بالكلمات التالية المحزنة: "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فانا اقدم رجلا و أوخر اخرى؛ فمن الذي يسهل عليه ان يكتب نعي الاسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت امي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا".

وقد لخص ابن الاثير الوضع الداخلي بكلمات قليلة حيث قال:"فان هؤلاء التتر انما استقام لهم هذا الامر لعدم المانع".ولم يرتفع المانع منذ ذلك الحين. فمازال العراق منطقة تخلخل في الضغط الجوي تهب عليه رياح التدخل الاجنبي من كل جانب.

واصبح ساحة لحروب الاخرين التي ما انتهت الى يومنا الحاضر. والسبب المباشر لذلك هو ضعف العامل الداخلي، ضعف البنية الداخلية للمجتمع العراقي، تفكك المركب الحضاري للمجتمع وتراجع القيم العليا الحافة بعناصره الخمسة.

واول علامات ذلك هو التنازع الداخلي الذي يشكل بدوره السبب الاعظم لضعف المجتمع، وهو الامر الذي سبق للقرآن ان حذر منه بقوله: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ". وهذا هو حال المجتمع العراقي اليوم. وسيقول لي قائل ان سبب ذلك هو العامل الخارجي، اي تدخل الدول الاجنبية، وسوف ارد على هذا القول مسرعا ان سبب قوة العامل الخارجي هو ضعف العامل الداخلي، او ما يسميه الكاتب الجزائري مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، و قبله اطلق عليه الكاتب الفرنسي ايتيان دي لا بوسي اسم "العبودية الطوعية". لذا اقول انه لاسبيل لصد التدخلات الخارجية والحد منها سوى اصلاح الداخل وتقوية الجبهة الداخلية وادارة الخلافات بين ابناء البلد الواحد بطريقة تعزز الوحدة الوطنية لا ان تضعفها وتمزقها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق