مازال الخاسرون في انتخابات يوم العاشر من تشرين الاول، يمارسون ضغوطهم على مفوضية الانتخابات ومن ورائها السلطات ومجمل الطبقة السياسية، مطالبين باعادة الانتخابات في موعدها الاصلي عام 2022، لم يعد العد والفرز اليدوي مطلبا مهما بالنسبة لهم، فهم على يقين بأن نتائج الانتخابات لن تتغير كثيرا، وان تزكية مجلس الامن الدولي للانتخابات زادت من صعوبات موقف المعترضين، صار واضحا ان الضغوط التي يمارسونها تستهدف استحصال ما يعتقدون حقهم المشروع بغية تمثيلهم في السلطة تمثيلا (عادلا) يعوضهم فقدان الثقل السياسي تحت قبة البرلمان.

ثمة تنافس شرس بين جناحين من الجيل الجديد للاسلام السياسي الشيعي، احدهما يقدر خطورة الاخر على رؤيته ومصالحه ومستقبله ودوره في منظومة السلطات. الخاسرون يرون ان فقدانهم لاصوات كثيرة وخسارتهم غير المتوقعة تمت بفعل فاعل وتدبير مدبر، وان الانتخابات لم تكن مؤمنة (سيبرانيا) وقد تم اختراق المنظومة الالكترونية وسرقة اصواتهم، لذلك هم يصرون على استحصال (حقوقهم) التي تعني في المطاف الاخير حضورهم في طبقات السلطة استحقاقا يتوافق مع حجم الكتلة العددية لجمهورهم كما يظنون، وهذه هي الديمقراطية الواقعية!! بحسب فهمهم.

البحث عن الاسباب الحقيقية لخسارة الخاسرين وفوز الفائزين ليست مهمة القوى المتصارعة على السلطة بل هي مهمة الباحثين والمراقبين للتغييرات العميقة التي تحصل في الاجتماع السياسي الشيعي واجياله الجديدة، فالخسارة الواقعية التي تجلت بوضوح في الانتخابات الاخيرة كانت في خروج احزاب المشروع الاسلامي الاول، اتباع المدرسة الحزبية من معادلة السلطة والجمهور، فماعدا استثناءات محدودة جدا.

انتهى العمر السياسي لرجالات هذا المشروع، ولم يعد بالامكان احياء رموز وقوى هذه المدرسة، وهي مدرسة معتدلة السلوك والفكر السياسي مقارنة بوريثتها لكنها لم تحقق منجزا كبيرا يعتد به في مرحلة ما بعد الديكتاتورية، ولم تكن مؤهلة لمواكبة مشكلات الانتقال السياسي، والتعاطي مع الثقافة السياسية والاجتماعية المتناشزة، لجمهور سحقته الشمولية والحروب والحصارات، فضلا عن قصور الاداء، وتصارع القيم والمثل مع واقعيات الطموحات الفردية والنزعات الشخصية ومشكلات خارجية كبيرة، فلم يبق منها في ذاكرة الجمهور المتوثب، الا محطات باهتة لم تكن تروي ظمأ هذا الجمهور المتعطش للعدالة الاجتماعية، والنموذج الانساني الذي يجسد التًوقعات والطموحات.

بانحسار حضور هذه المدرسة في الساحة السياسية منذ عام 2018 وصعود التيارات الجديدة الى مستويات المشاركة في صناعة السياسات، ازداد التنافس بين هذه التيارات التي تنتمي الى المدرسة الشعبوية، التي تفتقر الى التراث التنظيمي والحزبي، وتباعد المصالح بينها، بسبب اتساع الهوة بين مرجعياتها السياسية وتصوراتها عن ذاتها وادوارها المحلية والخارجية، واثر ذلك على امن وسيادة واقتصاد واستقرار البلاد.

لقد خاضت هذه القوى المتنافسة معركة السيطرة على الشارع ، فابتدأت باخراج القوى الاسلامية التقليدية من ساحة المنافسة، ثم عملت على تكريس خطابها واولوياتها استقطابا للجمهور وبغية استحصال مشروعية سياسية تتيح لها توجيه دفة السلطات بما يتوافق مع شعاراتها، وبينما رفع احد اجنحة هذه المدرسة شعار الوطنية والسيادة والاصلاح والخدمات وهي الشعارات التي تلامس نبض الجمهور، جاء الشعار الموازي مُركِزا على اولوية المحافظة على مؤسسة الحشد والمعركة مع الاعداء الداخليين والخارجيين، وهذا الشعار لم يعني الجمهور العام كثيرا ،فلم يكن هناك تهديد داخلي جدي بحل الحشد.

ولم تكن ترجمة شعار السيطرة على السلاح المنفلت تعني الحشد تحديدا، او على الاقل هذا ما فهمه الجمهور، ولذلك ذهبت شعارات هذا التيار في الاتجاه غير المؤثر، لقد استطاع التيار الذي رفع شعار (الوطنية العراقية) تعبئة جمهوره وضمن انتصاره، فجاءت المحصلة بخلاف طموحات وتوقعات القوى التي تصنف نفسها (عابرة للوطنية)، ومثلما خسر المشروع الاسلامي الاول اوراقه، خسر المشروع الاسلامي الثاني الاممي تعبئته السياسية وتأثيره على جمهوره واسع سيما الاجيال الجديدة باستثناء تلك التي نجح الخطاب التعبوي بتحفيزها عاطفيا وعقائديا.

في ضوء ذلك اصبح لدينا خاسرون كثر، المدرسة الحزبية التقليدية وجناح من المدرسة الشعبوية، وبقي الجناح الذي عرف كيف يستثمر جمهوره المنظم، ويرسخ اخلاق الطاعة والانقياد، يتهيأ ليختبر قدراته في دهاليز السلطة وادارة ملفات العراق المعقدة، قبل ان تداهمه تحديات الانتقال الى مرحلة ما بعد الاسلاموية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق