جرت يوم الاحد الانتخابات النيابية المبكرة في العراق في ظل توقعات متفاوتة حول نسب المشاركة الانتخابية وحظوظ القوى والاحزاب والافراد، إضافة إلى مخرجات هذه الانتخابات وما ستؤول إليه نتائجها ومسار التحالفات السياسية واتفاقاتها حول الرئاسات الثلاث والوزارات.

أجرت العديد من المراكز ووسائل الاعلام استبيانات حول هذه القضايا، وتقاربت في بعض منها وتباينت في البعض الآخر والمعلوم أن هذه الاستبيانات لا تعبر عن الواقع لأنها بيانات احصائية مبنية على أساس عينات محددة غير واسعة النطاق إضافة إلى أن الوصول اليها محدود، وحتى الاجابة عنها في حالات كثيرة تكون غير دقيقة أو موجهة أو تحابي أطرافا ما على حساب الاخرى.

لكن على كل حال يبقى التحليل المبني على أساس المعطيات الواقعية من حيث الاداء الإنجازي للحكومة ودور البرلمان في التشريع والرقابة والمحاسبة، إضافة إلى طبيعة الأحزاب والقوى والشخصيات المشاركة في الترشيح لعضوية البرلمان من حيث المقبولية والقدرة والفاعلية، كل هذه مؤشرات فيها دلالات محبطة على تحفيز مستوى المشاركة واقناع تيار المقاطعة على الذهاب الى مراكز الاقتراع وهذا مقصود أساسا.

كما أن المتداول في المحتوى الإعلامي المعبر عن الشارع بعيدا عن التسييس والجيوش الالكترونية يؤكد ذلك، وحتما في الساعات القادمة سيكون لوسائل الاعلام والعين المجردة دور في مقاربة تقديرات نسب المشاركة وتعبر بدقة أكثر حتى من النسبة التي قد تعلنها الجهة الراعية للانتخابات، لكن يبقى كل شيء وارد في تصاعد نسبة المشاركة خاصة بعد حث المرجعية الدينية في النجف على ذلك، مع وجود زخم سياسي لانصار ومؤيدي الاحزاب والقوى السياسية الثابتة.

أما إعلان نتائج الانتخابات فمن المفترض أن تعلن النتائج خلال ٢٤ ساعة استنادا إلى أن التصويت الكتروني والبيانات مخزنة في عصا الذاكرة وسيرفرات أجهزة الاقتراع، وهذا لم يحدث في الانتخابات السابقة لكن لا حجة أن تتأخر النتائج أكثر من يوم واحد لأن ذلك سيضعف مصداقية الانتخابات ويخضعها للشكوك والطعن بالتزوير ومصادرة ارادة الناخب، ومن المتوقع أن تعلن نتائج أولية خلال ٤٨ ساعة قابلة للطعن والتغيير واعادة الفرز وقد تحصل تغييرات طفيفة في بعض الدوائر الانتخابية ومحطات الاقتراع لكن لن تؤثر بشكل كبير على نتائج الانتخابات ومصداقيتها هذه المرة.

حظوظ القوائم والكيانات والافراد لا يمكن البت فيها وفقا للتوقعات او الاستبيانات لكن بالإمكان معرفة النتائج التقريبية وفقا للتجنيد السياسي لكل جهة وزخم المشاركة مع قدرة الماكينة الانتخابية والتنظيمات المساعدة لهذه الجهات في تحفيز وتنظيم عملية الادلاء بالأصوات لصالحهم، وهذه الدلالات تبين أن الكتلة الصدرية وفقا للممارسات السابقة وطاعة الانصار ستكون الكتلة الاكثر عددا للمقاعد النيابية لكنها لا تتجاوز حاجز المقاعد الذي حصلت عليه في الانتخابات السابقة إن لم يكن أقل من ذلك.

ايضا يبرز تحالف قوى الدولة الوطنية الذي يتزعمه السيد عمار الحكيم كتحالف بارز قد يحتل المركز الثاني في عدد المقاعد على مستوى القوائم الشيعية، نتيجة التنظيم العالي ووجود شخصيات لديها مقبولية شعبية واهمها رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي.

بعدها يأتي تحالف الفتح ثم دولة القانون، اما على المستوى الكردي فتبقى المقاعد ذاتها في الدورة السابقة منطبقة على احزاب وقوى هذه الدورة مع ازدياد محدود في ناخبي ومقاعد الحزب الديمقراطي الكردستاني لان حزب الاتحاد الكردستاني طغت عليه الانقسامات العائلية حزبيا، كما أن اتهامات فساد طالت بعض قادة الاحزاب الشابة والجديدة المعارضة شكليا داخل الاقليم دون ان تقدم اي شيء يذكر لجماهيرها المحدودة.

أما على مستوى المكون السياسي السني فسيكون تحالف تقدم الاكثر استحواذا على المقاعد من باقي التحالفات والاحزاب، وذلك لأن شخصية الحلبوسي مقبولة داخل المدن المحررة وتجربته في الانبار تعد معيار ناجح في البناء والاعمار والامن والاستقرار، ثم يأتي تحالف عزم ثانيا بزعامة خميس الخنجر من حيث عدد المقاعد، أما تحالف متحدون لأسامة النجيفي فمهمته معقدة وتنحصر مقاعده في الموصل وسيضطر للتحالف مع تقدم او عزم، ومتوقع ان يحصل على مقعدين او ثلاثة، وهذا الحال ينسحب على جمال الضاري في حزب المشروع الوطني الذي لن يتجاوز ثلاثة مقاعد ايضا، لكن سيشهد المكون السياسي السني بشكل عام زيادة في بعض المقاعد عن الدورات السابقة نتيجة النظام الانتخابي الذي سيخدمه في المناطق المختلطة في بغداد وديالى.

أما الاحزاب المتوسطة والصغيرة والافراد المستقلين سيكون لهم دور محوري رغم محدودية وحداثة الوجود السياسي لكن حظوظها قائمة وسيكون لها فاعلية في اداء دور بيضة القبان في التوازنات والتوافقات السياسية.

مخرجات هذه الانتخابات ستكون مختلفة على مستوى الاشخاص لكنها ستكون بذات النهج والآليات في التشكل والاشتغال، ومن غير المتوقع ان تحصل تعقيدات في تسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة وتسمية وزراءها، لان التفاهم التقليدي لازال قائما، وستكون ممانعات متقابلة لكنها شكلية لإزاحة بعض الوجوه وانهاء فرصهم وحظوظهم ثم يكشف الستار عن الشخصيات الحقيقية المرشحة لهذه المواقع، ستبقى شخصية رئيس الوزراء شيعية نابعة من توافق الشخصيات الثلاثة الاساسية: الصدر، العامري، الحكيم، ومن المتوقع ان تكون شخصية فيها طابع اسلامي عراقي لكن تأتي من الخارج، اذ لم ينجرف هذا التوافق لغاية اللحظة ورغم كل التحديات والمطالبات صوب شخصية مهنية كفوءة عاملة وقادرة على البناء والعطاء، والمطلوب في رئيس الوزراء ان يكون تابع لا متبوع مقبول دوليا اكثر منه محليا.

اما رئاسة الجمهورية فمحسومة للتحالف الكردستاني ومن المتوقع ان يكون نيجيرفان بارزاني رئيس جمهورية العراق القادم وهذا ما يعمل عليه الان الحزب الديمقراطي ومن المؤكد ان يكون هنالك شخصية بديلة في حال الرفض لكنها لن تخرج من مظلة هذا الحزب هذه المرة، وقد يكون رئيس وزراء الاقليم من حزب الاتحاد لضبط التوافق والتوزان ولكن هنالك حسابات مغايرة الان اذ تطرح شخصية هوشيار زيباري لهذا الموقع إذا ما سارت نتائج الانتخابات داخل الاقليم لصالح الحزب الديمقراطي.

اما رئيس مجلس النواب فمحسوم للمكون السياسي السني ولا زال الحلبوسي يحاول البقاء في منصبه لكن لا يؤيد الصدر والعامري ذلك وايضا طرح اسمه مرة اخرى يأتي مضادا لمغزى الانتخابات التي جاءت بناءً على مطالب شعبية تريد التغيير وطالما سيتغير رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية فمحال بقاء الحلبوسي بمنصبه، لكن سيكون بديله من داخل تحالف تقدم والشخصية الابرز لذلك وزير التخطيط الحالي خالد بتال النجم وبالتالي هذا يعني ان الحلبوسي سيبقى ذو نفوذ وتأثير داخل العملية السياسية، خاصة اذا ما بقى الحلبوسي نائبا ورئيسا لتحالفه داخل البرلمان.

هذه الانتخابات ستكون مخرجاتها مرتبطة ايضا كالسابق بالتحالفات والعلاقات الاقليمية والدولية مع ايران وتركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة وبريطانيا، وتبقى مراهنات تحقيق مصالح هذه الدول المتزاحمة بطرح سياسات تكبل العراق وتغير نمط الفعل السياسي فيه لصالح تلك الدول، ولهذا تعمل هذه الدول الاعتماد على آلية الزبائنية السياسية فالعراق بيئة خصبة لهذا الاسلوب، حيث تتنامى شبكة العلاقات الزبائنية سياسيا من الناحية البيانية تصاعديا وتشكل دائرة اتصالية جماعية، وفق منطق الصفقات البنيوي والوظيفي هو السائد لتصبح هذه النخب المحلية لوبيات وشبكات ضغط قوامها تحقيق تخادم مصالح اقليمية ودولية في العراق.

ولهذا من المستبعد جدا ان تفرز هذه الانتخابات حكومة غالبية سياسية لطرف او أطراف معينة واقصاء أطراف اخرى ترضى بدور المعارضة اطلاقا لان ذلك سيؤدي الى الصدام المباشر والتعطيل المستمر، كما لن تفرز هذه الانتخابات اي تغيير جدّي وستكون متحكم فيها وبمخرجاتها، وسيكون سيناريو المحاصصة الجديدة، المشهد الماثل لهذه الانتخابات وهذا من شأنه أن يعمق أزمة الدولة وفشلها في التعامل مع التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق