يستعد العراق لخوض خامس تجربة انتخابية منذ عام 2005، والتي تكتسب أهمية خاصة هذه المرة كونها انتخابات مبكرة جاءت بعد احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2019 للمطالبة بإصلاح الأوضاع. وصرحت مفوضية الانتخابات في العراق بأن الجولة الانتخابية التي ستجري في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2021 يتنافس فيها 21 تحالفا سياسيا، فيما يبلغ عدد الأحزاب المشاركة 167، منها 58 ضمن التحالفات، ويتنافس 3 آلاف و249 مرشحا بينهم 951 امرأة. ويرى محللون ومراقبون أن ما يميز الانتخابات المرتقبة عن سابقاتها هي الظروف والمتغيرات التي تشهدها المنطقة، إضافة إلى القانون الانتخابي الجديد الذي قسم المحافظات إلى دوائر انتخابية على أساس الأقضية والمدن.

والسؤال هو هل الانتخابات القادمة هي مشابهة للانتخابات السابقة أم تختلف عنها؟ وماهي أهم مقومات نجاح الانتخابات القادمة؟

من حيث المبدأ؛ نعم الانتخابات القادمة لا تختلف عن الانتخابات السابقة، فجوهر العملية واحد ووسائلها وآلياتها تكاد أن تكون واحدة. نعم جرى استبدال المسؤولين عن مفوضية الانتخابات بقضاة رشحهم مجلس القضاء الأعلى. كما جرى تغيير بعض مواد القانون الانتخابي. وإن أبرز التغييرات في القانون الانتخابي الجديد هو تقسيم المحافظة الواحدة إلى أكثر من دائرة انتخابية، إضافة إلى اعتماد الترشيح الفردي، حيث يكون الفوز بالمقعد بحسب عدد الأصوات التي يحصل عليها المرشح، وليس بالاعتماد على أصوات القائمة التي ينتمي إليها كما في السابق.

ولكن نجاح الانتخابات القادمة أو فشلها يظل يعتمد دوما على مقومين أساسيين لابد أن يتوافرا في كل عملية انتخابية، فان توافرا معا في الانتخابات القادمة كانت الانتخابات ناجحة ومثمرة، وإن افتقدا أو افترقا كانت الانتخابات فاشلة أو غير منتجة. وهذان المقومان هما:

1. حُسن اختيار المرشح: يُعد حُسن اختيار المرشح لعضوية مجلس النواب بوابة نجاح أي انتخابات. وهي مسؤولية تقع على الناخب أولا. والموضوع هو إما أن نختار مرشحا كفوء، وقادرا على تحقيق حاجات مجتمعه المحلي وطموحاتهم، وإما أن نختار مرشحا غير كفوء، وغير قادر على تحقق حاجات مجتمعه وطموحاتهم. والفرق بينهما في النتائج كالفرق بين الأرض المعطاة والأرض البور.

تبرز المشكلة في هذا المقوم من نظرة الناخب إلى صوته، ومن نظرة الناخب إلى المرشح، فالكثير من الناخبين للأسف لا يعي أهمية صوته، ولا يكترث لمن يعطي صوته، ولا ينظر إلى الانتخابات كونها مفتاحا من مفاتح تحسين أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. بل في الغالب يٌنظر إليها على أنها عملية إجرائية تقليدية غير ذات أهمية، ولا تستحق منه الاهتمام والتقدير والبحث والتقصي أو أن نظرته إلى الانتخابات نظرة يأس وتشاءم وفقدان الأمل بنتائجها لكثرة المرشحين الذين خذلوا ناخبيهم.

والنتائج المترتبة على هذه النظرة السلبية للانتخابات هي أن الناخب إما ألا يذهب إلى الانتخابات أصلا، ولا يدلي بصوته، فالنتيجة محسومة سلفا، سواء أعطى صوته أم لم يعط. وإما أن يبيع صوته بمساعدة مالية أو يعنيه يقدمها أحد الناخبين، وإما يختار أيا من الناخبين عشوائيا دون فحص واختيار مدروس، فكل الناخبين عنده متشابهون ولا يقدمون له في المستقبل شيئا. وفي كثير من الأحيان يقع الناخب في حيره من أمره، هل سينتخب أصلا؟ وإذا انتخب من سوف ينتخب؟ وهل سيحقق المرشح الذي انتخبه بعض حاجاته؟

وهنا تأتي مسؤولية الجميع في خلق أجواء إيجابية لإجراء الانتخابات، أولها المؤسسة الحكومية المعنية بالانتخابات، وهي مفوضية الانتخابات، من حيث ضمان النزاهة والشفافية وعدم انحيازها لحساب طرف على حساب طرف آخر. ومسؤولية النخب الواعية التي تنظر إلى الانتخابات نظرة وطنية شاملة تتعلق بمستقبل الجيل الحاضر والمستقبل، ولا تمييز بين المرشحين إلا على أساس قدرتهم على العطاء وتحقيق حاجات الناخبين ورغباتهم. ومسؤولية المؤسسات المجتمعية الحرة، والمؤسسات المجتمعية التقليدية المؤثرة في المجتمع كالمرجعيات الدينية والعشائر والأسر وغيرها في حث الناس على الانتخاب من يعتقدون هو الأصح والأفضل والأقدر على تحقيق مطالبهم. وهي مسؤوليات الإعلام الحر غير المنحاز أيضا.

2. تنفيذ الوعود الانتخابية: المشكلة الثاني التي تؤثر على نجاح الانتخابات من عدمها هي مدى التزام المرشحين الفائزين بالوعود الانتخابية التي قطعوها لناخبيهم، وهي مسألة تؤثر على نفسية الناخبين، وعلى مستقبل العملية الانتخابية القادمة. فليس ثمة شك أن كثيرا من المرشحين لديهم وعود انتخابية وعدوا بها مجتمعاتهم المحلية بتحقيقها أو لديهم برامج انتخابية معينة، تتضمن نقاط إصلاحية في حال الوصول إلى مجلس النواب. والكثير من المرشحين الفائزين يتنصلون عن هذه الوعود من اليوم الأول لنتائج الانتخابات، والتي تتضمن انقطاع المرشح الفائز عن اللقاءات والندوات والزيارات التي كان يقوم بها قبل الانتخابات، وغلق وسائل التواصل والاتصال مع جمهوره ومعارفه، أو تعيين أحد من أقرباءه للرد على الاتصالات والوسائل التواصل الخاصة به، وعادة ما تكون الإجابات عبارة عن وعود كاذبة.

ويبدأ المرشح الفائز ينتقل من مكان سكنه الأصلي إلى مكان آخر أفضل منه، أو يناسبه كعضو مجلس نواب، أو يوفر له علاقات خارجية وسياسية أكثر من المكان الذي يسكن فيه سابقا، وينشغل من اليوم الأول بتحقيق بأهدافه الشخصية أو العائلية أو الحزبية بغض النظر عن جمهوره الناخبين. وفي نهاية الدورة الانتخابية إن كان يريد أن يرشح لدورة انتخابية جديدة يعيد الكرة مرة أخرى، وإن كان اكتفى بدورة واحدة فانه يعزل نفسه اجتماعا، ويوفر له مشروعا سياسيا أو اقتصاديا بديلا عن عضوية مجلس النواب.

تبدأ المشكلة في هذا المحور من طبيعة الوعود التي يقطعها المرشح لناخبيه، فاغلب المرشحين يطلق وعود هو يعرف قبل غيره أنها لا تتحقق ابدأ، ولكنه يريد أن يحصل على أصوات الناخبين باي طريقة كانت وبأي أسلوب كان، فبعض هذه الوعود ليست من اختصاص عضو مجلس النواب أصلا مثل تبليط شارع أو تعين في وظيفة حكومية، أو نقل من دائرة إلى دائرة، وبعضها من اختصاصات مجلس النواب وهي إما تتعلق بتشريع القوانين، وإما تتعلق بمراقة أداء المؤسسات الحكومية، وكلاهما قد لا يجيدهما النائب، ولا يصبان في مصلحته، ولا مصلحة ناخبيه.

لذا من المهم جدا لنجاح العملية الانتخابية القادمة أن يلتزم المرشح أو كتلته أو حزبه التزاما أخلاقيا وقانونيا بالوعود التي يقطعها لناخبيه، والتي ينبغي أن تكون ضمن اختصاص وصلاحيات مجلس النواب حصرا، وممكنة التحقق والا سيفقد الناخبون ثقتهم ليس بالمرشحين فقط بل بالعملية الانتخابية كما هو حاصل اليوم بالفعل.

ومما نتقدم نخلص إلى أن نجاح العملية الانتخابية القادمة أو فشلها يعتمد على مجموعة التزامات ينبغي أن يوفرها كل من الناخب والمرشح، وهي:

أولا: التزامات الناخب:

1. أن يهتم الناخب بالعملية الانتخابية كونها تمثل حلا من الحلول لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخدمية ولا بديل عنها.

2. أن يبذل قصارى جهده في البحث عن المرشح الذي يتمتع بالكفاءة العالية والنزاهة، ولم يتورد بقتل الناس أو نهب أموالهم أو الكذب عليهم، وغيرها بغض النظر عن انتماء هذا المرشح أو ذاك.

3. أن يتنبه الناخب أنه ينتخب عضو مجلس نواب، وليس رئيس وزراء أو وزير أو محافظ يعني هو لا ينتخب سلطة تنفيذية بيدها أمور مثل فتح مشروعات أو تعبيد طرق، أو تعيين، أو نقل أو غيرها.

4. أن تعمل المؤسسات المجتمعية والمؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام بمهنية عالية لحث الناخب على الانتخابات، وانتخاب الكفوء والنزيه، والقادر على تحقيق طموحات الناخب وحاجاته

ثانيا: التزامات المرشح الفائز:

1_ أن يعي المرشح أهمية الوعود التي يطلقها في حملته الانتخابية ومدى تأثيرها على العملية السياسية بمجملها، فلابد أن تكون واقعية وقابلة للتحقق في خلال أربع سنوات على الأقل. ولا فان الناخبين لن يعاودوا انتخابه أو انتخاب كتلته أو حزبه بل لا يحبذون الدخول في الانتخابات، كونه لم يف بوعوده.

2_ أن تكون هذه الوعود في إطار اختيار رئيس الوزراء كفوء ومهني، ووزراء كفؤين ومهنين، كون مجلس النواب هو من يختار الكابية الحكومية، وفي إطار تشريع قوانين تتضمن حقوقا للناس أو دفع ضرر عنهم، وفي إطار بذل الرقابة الصارمة على أداء الحكومة، سواء كان رئيس الوزراء أو الوزراء أو المؤسسات الحكومية ومحاسبتهم أو الدعوة إلى محاسبته.

3- أن يظل الناخب المرشح قريبا دائما من موطنيه ومن دائرته الانتخابية، سواء من حيث منزله وعيشه، أو من حيث طبيعة التواصل مع مواطنيه، فمثل هذه الأمور تسهل عليه مهماته ومسؤولياته، ومثل هذا التواصل يجعل المواطن يطمئن أن مرشحه الذي انتخبه مازال صادقا في طرحه حتى لو لم يستطيع أن يحقق بعض وعوده الانتخابية.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق