يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن مولع بالقراءة والاقتباس لما يكتبه الشعراء والأدباء، ميزة حسنة في القراءة والتأمل بعيدا عن دسائس السياسة وأهدافها الخفية والمعلنة، مزايا الاقتباس مفيدة في الاطلاع على الثقافات، وهموم المبدعين، ملامسة خيال الكتاب والمثقفين، اقتباس محمود يوظف في سياقات معينة للتفكير الجيد في ولادة لحظة تاريخية من أجل التغيير بعد الهيمنة الطويلة للحروب والصراعات التي لا تنتهي.

الوضع الراهن يشير أن العالم يتطور وللتاريخ مسار لا ينتهي، فمن يعتقد في النهاية والاكتمال مطالب لأن يعيد قراءة التاريخ، ويتأمل في صعود الحضارات وأفولها. قيمة الأفكار ومصداقيتها في إيقاظ شعلة المحبة والتسامح، من أولئك الذين يدعون في رسائلهم إلى نبذ العنف والحروب، اقتباس يجعل العالم في تغير دائم، فهناك انسياب يصيب كل الأشياء، مفارقات عجيبة في عالم لا يخلو من أزمات، من الفكرة إلى النقيض، لا يوجد ثبات، وكل الأشياء تموت وتولد من جديد، وكل ما هو جميل ينجرف بعيدا، يختفي ويعود، من حياة الرتابة والمعاناة تولد أفكار جديدة، من همم الأبطال يتغير التاريخ وتتبدل أحوال الأمم، ولادة عسيرة للحياة الكريمة، تعيد الاعتبار للإنسان، وتنمي فيه الطاقات والملكات، الزمن يتبدل، الماضي انقضى والمستقبل آت، وبعيون الحاضر نترقب التغيير، عالم الصيرورة والتغير كما قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، علاقة متينة بين الوجود والصيرورة، فلا تبقى الأشياء على حالها، كل ما في العالم متغير ونسبي، والإنسان كائن يحاول الفهم وإزالة الغموض عن الأشياء، عالم يتجه فيه التاريخ نحو التطور والتقدم، عندما تولد أفكار ومواقف جديدة، تعيد رسم الممكن للعالم المتعدد والمتنوع الأقطاب، إنه مسار مهم في تصويب السياسة نحو الأفضل، من الدمار والنزعة نحو الحروب والتدمير يولد شيء رهيب، من عنف السياسة والتفرد بالقرار والتلويح بالحروب في كل مكان من العالم إلى عودة أمريكا من جديد، أمريكا كقوة ناعمة أولا وقوة عسكرية ثانيا، معادلة لا يمكن الاستغناء عنها، إنها إستراتيجية ثابتة في السياسة الخارجية الأمريكية، أو نقول من خلال فهمنا للخطاب السياسي بصريح العبارة: هكذا تكلم جو بايدن.

ما يفهم من خطاب جو بايدن أن أمريكا لم تعد شرطي العالم، وأن التحديات العالمية تفوق أمريكا لأنها ببساطة تريد العودة بشكل جديد، قوية من الداخل خصوصا بعد الهزة التي عرفتها الديمقراطية عند اقتحام أنصار ترامب للكابيتول، والانحراف العام للسياسة في عهد ترامب، وما ترتب عنها من انسداد للآفاق في مجالات تتعلق بالسياسة المحلية والدولية، هناك ملفات عالقة ومصالح حيوية في العالم، وما يعانيه العالم من تفاقم التهديدات البيولوجية، والكوارث الطبيعية، ومشكلة المناخ، ناهيك عن تقوية الجبهة الداخلية للزيادة في الديمقراطية، والتقليل من نواقصها، وخلق مناصب الشغل للشعب الأمريكي، والسير في السياق التشاركي مع أقطاب أخرى في العالم، أمريكا أولا شعار من الماضي الذي رفعه ترامب، والشعار الصائب والمفيد للكل هو عودة أمريكا من جديد، العودة تعني النهوض والولادة الجديدة كبديل للسياسية السابقة، التي جعلت أمريكا زعيمة منفردة للعالم، ونتجت عن الزعامة صراعات مع دول وجماعات مختلفة، وما يزيد في قوة العالم وسلامته يتحقق بالتعاون المشترك البناء، أي نهج سياسة فعالة تعيد الاعتبار للدبلوماسية المرنة، وتقوي من التحالفات الدولية في آسيا والمحيط الهادئ، تحالفات ترفع أولويات مهمة للشعوب كالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومجابهة الأنظمة الاستبدادية، كذلك الكف عن مساندة الأنظمة المنغلقة والرافضة للتغيير، عالم يتغير حيث تتبوأ أمريكا الصدارة اقتصاديا وسياسيا، عندما تجابه العملاق الصيني في التجارة العالمية، وتقدم للعالم أمريكا في حلة جديدة.

أمريكا تتحرك من جديد ولن تنحني، لا تبادر بالشر أو إطلاق رصاصة واحدة، وفي المقابل، فهي مستعدة لكل الاحتمالات الممكنة، موجودة في كل مكان من خلال قواعد عسكرية وسفن حربية متحركة، قيادة العالم بالتشارك وليس الاستفراد بالقرار، إقامة تعاون وعلاقات سلام يطبعها التنافس والندية خصوصا مع الصين وروسيا، دعم سياسة التطبيع مع إسرائيل، لا تنوب عن الآخرين في الدفاع عن أنفسهم، لكنها لا تقبل المساس بالحلفاء أو تقويض الأنظمة بالقوة الحديدية، معنى ذلك أن أمريكا انحازت لإرادة الشعوب في التغيير، ترى أن العالم مقبل على تحولات كبرى، سياسة احتواء الصين قائمة، والخروج من أفغانستان وعقد معاهدة صلح دائمة مع طالبان، والتفكير للإنسحاب من بؤر التوتر.

ولذلك جاءت سياسة جو بايدن الخارجية والداخلية منسجمة، وما يراه الديمقراطيون أو أنها بالفعل تتويج للمسار الديمقراطي، والنظرة الإستشرافية للمستقبل من قبل الرؤساء السابقين خصوصا بيل كلينتون وباراك أوباما، نهج سياسي مفرط في الدبلوماسية بعيدا عن المكاشفة والخطاب الصريح المبني على فكرة أمريكا أولا، والنزوع للقوة العسكرية كخيار، يعني الابتعاد عن سياسة ترامب والمحافظون الجدد في الكثير من الملفات التي تتعلق بالاقتصاد والعلاقات الدولية، ومشكلات أخرى كالهجرة وتنامي العنصرية، وذلك من خلال خطاب استشرافي أو بعبارة أدق خطاب مرن يهلل للتغيير وبداية مرحلة مزهرة من تاريخ أمريكا.

عودة أمريكا من جديد يعني بالذات العودة بحمولة جديدة تزيل الكوابح، وتغذي الرغبة الجامحة في النهضة أكثر، ومنع الصين من الصعود على حسابها، فغالبا ما كان يشتكي ترامب، ويكشف للشعب الأمريكي أن الصين تسرق منهم كل شيء، المناصب والزعامة والنفوذ، الخطر هنا يتعلق بالصعود والنمو الإقتصادي السريع، وأمريكا غارقة في الحروب الخارجية، لا يريد الرئيس بايدن أن يجعل من الولايات المتحدة حامية للكل، يرغب في العمل من خلال تنوع الأقطاب، ومن خلال المؤسسات الدولية، الخطاب الشفاف والصريح غير مناسب في السياسة، والخطاب العاطفي لا يأتي بالنتائج في واقع تنامي القوى الصاعدة. فالانسحاب الأمريكي من أفغانستان أدهش العالم، حيث اعتبرته أوروبا نوع من التسرع، وقرار استفرادي من دون مقدمات والتزامات، الأمر يتعلق هنا بحركة لا تؤمن بالقيم العالمية التي ترعاها الولايات المتحدة، لكننا نعتقد أنها إستراتيجية تضع الحرب جانبا، وترغب في إرساء معالم جديدة لمرحلة ما بعد ترامب، وما بعد الحادي عشر من شتنبر، نهوض من جديد لأجل تحويل الأزمات إلى فرص، افتعال الأزمات والتورط السلبي في كل القضايا العالقة يأخذ أشكالا جديدة للتعامل، كالضغط من خلال عقوبات زجرية ذات طبيعة اقتصادية وقانونية.

هكذا يبدو العالم ورديا ومثاليا عندما نقرأ في حيثيات الخطاب الجديد أو عندما نتوقف عند سطح الخطاب دون التغلغل في نوايا القائمين على الإستراتيجية الأمريكية البعيدة المدى، وما ينتبه إليه المحللون والمتابعون للشأن السياسي العالمي، بوادر التحالفات الجديدة، كتلك التي انتهت مؤخرا بين أمريكا وبريطانيا واستراليا، وتحويل صفقة الغواصات التقليدية بين فرنسا وأستراليا لصالح أمريكا، عندما قررت تزويد استراليا بنوع جديد ومتطور من الغواصات النووية، نتج عن ذلك أزمة كبيرة استدعت بموجبها فرنسا سفرائها لدى واشنطن وكنبرا للتشاور والتعبير عن رفضها للصفقة.

ما نستوعبه هنا بداية التنصل من الشريك القديم، أوروبا القديمة بتعبير دونالد رامسفيلد، أوروبا العجوز المنهكة والغارقة في قيمها، لا ترغب في ولادة جديدة، ولو كانت هذه الفكرة دقيقة وكامنة في الخطاب الأمريكي من قبل الخبراء أو حتى من قبل ما يسميه دونالد ترامب بالدولة العميقة المتحكمة في دواليب السياسة والاقتصاد، فإن العالم لم يعد يقاس بالوحدة الثابتة بين الكيانات الغربية في إطار الحلف الأطلسي أو التاريخ المشترك، قناعات أمريكا راسخة في سياستها، هناك مصالح ولا بديل عن تحالفات جديدة، لم تعد أمريكا مظلة لأوروبا، كل البلدان تمتلك الحق في تنويع علاقاتها، ونهج سياسة خاصة، لم تعد أمريكا تحمي العالم، على أوروبا أن تعتمد على نفسها، انتهت الحروب المباشرة، ولم تعد هناك كيانات أو جماعات يمكنها تهديد وحدة الدول الأوروبية.

ويبدو من الخطاب الأمريكي الخاص بترامب وجو بايدن تقارب وتقاسم الرؤية أحيانا، هناك اختلاف في الدرجة والوضوح، وهناك تباين في النبرة والحدة، لكن ما يوحد هذه الأنواع من المواقف هي المصلحة العليا لأمريكا، جو بايدن لا يغرد مثل ترامب على تويتر، ليس صريحا إلى درجة الوقاحة، لا يتهم أطرافا بشكل مباشر، غالبا ما يقيم التضاد بين الأنظمة الاستبدادية، والأنظمة الديمقراطية، يترك الأمل للمستقبل ويحسم في الأهداف والقضايا التي كانت مسطرة ومبرمجة منذ زمن بعيد، سنوات الحرب في أفغانستان، والحرب على الإرهاب ساهمت في تعطيل النهضة، قامت أمريكا بالنيابة عن الكل في محاربة الأعداء في كل مكان، بينما لا تنام القوى الأخرى الصاعدة في العالم لامتلاك التكنولوجيا والزيادة في الصناعة وإنتاج السلع، واختراق الملكية الفكرية، والزيادة في حجم التبادل التجاري والاقتصادي، واكتساح الأسواق العالمية، يتعلق الأمر هنا بالصين، ليست ديمقراطية ولا شيوعية خالصة، برغماتية تتوفر على الكفاءات والطاقات، قوتها في تدبير جيد للازمات وخلق فرص عديدة للنجاح.

تقدم الصين نفسها للعالم كشريك، احتوائها ليس أمرا سهلا، الحد من اندفاعها وجموحها الاقتصادي يبقي أمريكا على عرش العالم خصوصا والمقياس هنا يتجلى في عدم الفصل بين السياسي والاقتصادي، بين القوة المادية والقوة الناعمة، فمن خلال خبرة جون بايدن الطويلة في مجال السياسة كعضو في الكونغرس، ودخوله البيت الأبيض كنائب للرئيس أوباما، اكتسب الرجل نظرة شمولية عن الملفات العالقة، والأزمات التي لم تجد طريقها للحل.

قضايا الشرق الأوسط، ودعوته لحل الدولتين والعيش بسلام بين إسرائيل وفلسطين، والملف النووي الإيراني من خلال إعادة إحياء المفاوضات، دون تعليقها أو الانسحاب منها، إضافة للتفكير في الانسحاب من العراق، ومحاولة كسب تركيا، والاهم استقطاب دول كبرى للتحالف منها الهند واليابان، والتفكير في الانسحاب من الشمال السوري، قضايا الشرق الأوسط شائكة. فالتركيبية الاجتماعية والاختلافات المذهبية والرؤى المتباينة بين أطراف الصراع تزيد المنطقة اشتعالا وحروبا، ولن تنتهي إلا بولادة مجتمعات ديمقراطية تعددية.

التاريخ سيحكم على أمريكا من أخطائها المتكررة في العالم، تخترع الأزمات وتفتعل الحروب هنا وهناك، أحيانا تنجح في مهامها، ويكون المسعى ايجابيا في ولادة أنظمة ديمقراطية كما هو الشأن في أوروبا وبعض دول آسيا، وأحيانا كثيرة ساهمت في إشعال حروب دامية تركت آثارا على الشعوب، فكانت تلك الحروب سببا في الحرب الباردة، وميلاد النظام العالمي الجديد أحادي القطبية، خصوصا بعد تفكك الإتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين.

معالم السياسة الأمريكية الحالية هي الانخراط الفعلي الجاد في حل الأزمات الدولية بشكل تشاركي، ومحاولة الكف عن الاندفاع المباشر نحو الحروب والصراعات، إلا إذا كان في الأمر دواعي مباشرة، وما يتعلق بالتهديد الفعلي لأمنها، غير ذلك، دبلوماسية أمريكا تعني التخلي عن القيادة المنفردة للعالم، والحفاظ على المصالح الحيوية والإستراتيجية، فهناك تناقضات في الخطاب ستنكشف في الأيام القادمة، بين السعي للسلام في آسيا والمحيط الهادئ، والرغبة الملحة في احتواء الصين، والسيطرة على الموارد الطبيعية، إطلاق رصاصة يعني التعجيل بالحرب النووية، بحر الصين الجنوبي مسرحا للحرب القادمة، وهنا يمكن اعتبار أمريكا في استراحة محددة الأمد، حتى تستجمع قواها وتقوي من تحالفاتها، ونتمنى أن يكون العالم الإسلامي في منأى عن خططها، نظرا للعلاقات التاريخية بين هذه الشعوب والصين، هذه الحضارة الضاربة جذورها في التاريخ، منطلق الحضارات الإنسانية، لم تكن في ماضيها تشكل تهديدا للآخر، حكمة أهلها تقتضي التماسك وعدم الانجرار للغزوات أو الخروج خارج نطاقها، رغبة الصين في الشراكة العالمية من خلال مشاريعها العملاقة الخاصة بمرونة التجارة في مبادرة الحزام والطريق، بديل آخر للعولمة التجارية والاقتصادية دون أن تكون العولمة ثقافية وعسكرية، إنها الصين القوة الصاعدة والناعمة، التي جعلت أمريكا تشعر بخطرها، عندما تكتسح العالم، وتهيمن على نسبة كبيرة من حصتها في التجارة العالمية.

لا بد من التغيير للنوايا والأهداف، السبيل للسيطرة على العالم والجنس البشري كما قال الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون يتحقق بسلطة العلم والمعرفة، القوة الناعمة التي تمتلكها أمريكا مهمة، من شبكات التواصل الاجتماعي، والشبكة العنكبوتية، والبرامج الخاصة بالحواسيب، والشركات العملاقة في مجال الإعلاميات، والوكالات العلمية والتكنولوجية المتجددة، يمكن تطويرها أكثر وإنتاج أفضل منها للبشرية، لذلك تعتبر الملكية الفكرية سر تفوقها، هذا الأمر يخيف الغرب بصفة عامة في حالة ما أصبح للصين تكنولوجيا خاصة ومستقلة، فائقة السرعة والدقة، وشاملة للعالم لأن التطور السريع الذي تشهده الأمة الصينية واقعي وشمولي، من خلال ليونة نظامها السياسي، وما تعكسه القيم الكونفوشوسية من مبادئ أخلاقية واجتماعية، وحدة الأسرة والعائلة والدولة، وقيم أخرى كالعمل والطاعة والإخلاص والمشاعر النبيلة، كلها أسس كفيلة بتحول الحضارة من الغرب نحو الشرق، لكن القرية الكونية تعني تعديل العولمة وتنزيلها بشكل يتناسب والحفاظ على الحضارات الإنسانية من الانزلاق نحو الحروب القاتلة، تعميم الخيرات وتقوية المنافسة في عالم متنوع الأقطاب، وبالتالي إذا كان العالم يتغير كما قال جو بايدن، فالمستقبل سيظهر للعالم ذلك بعيدا عن التهديد والاستقطاب الإيديولوجي.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق