يحث الكثير من القادة السياسيين والمسؤولين التنفيذيين في العراق، جمهور الناخبين على المشاركة الواسعة في الانتخابات، فبدونها لن يحصل تغيير طفيف أو متوسط في الخريطة السياسية داخل مجلس النواب، ولن تتزحزح قوى (تقليدية) عن مواقعها، بحكم قدرتها على التحشيد وضبط جمهورها الانتخابي لإعادة انتخاب مرشحيها.

المعركة الاهم في العراق ستكون الكيفية التي يستجيب فيها الجمهور للحدث الانتخابي، فالمتوقع ان تغييرا محسوسا لن يحصل في (احجام) الكتل الانتخابية مقارنة بانتخابات عام 2018، وستحافظ القوى التقليدية المتنافسة على وزنها السياسي مع تراجع لبعض الكتل الصغيرة لصالح الكتل المسلحة، فابرز ميزات التنظيمات والتشكيلات السياسية العراقية انها تعيش الحالة اللبنانية بكل تعقيداتها.

فما من جماعة سياسية الا ولها ذراع عسكري مشرعن بغطاء حكومي وبحكم الامر الواقع باعتبار ان (الارهاب والاحتلال) مازالا يقفان خلف دوافع اللجوء الى الاحتفاظ بالسلاح لمقاومة (المحتل) وتحسبا للحظة ارهابية تعيد زمن عام 2014 وما قبلها، خصوصا بعدما نجحت طالبان في العودة الى السلطة بعد عشرين عاما من القتال الضاري.

هذا هو محور الاستراتيجية والتكتيك الذي تستند عليه قوى المقاومة والتي جعلت مهمتها المقدسة (حماية الوطن)، وهذه القوى تعتمد على جمهور تكون وعيه السياسي بمقولة المقاومة، مقاومة مشروع الاحتلال ومقاومة مشروع الارهاب بمعنى ان جوهر وجودها يستند على الضد النوعي، فمتى مازال خطر الارهاب الذي هو ناتج من نواتج مشروع الاحتلال، حسب تحليل منظومة الوعي هذه، يومذاك ستتغير الاستراتيجية والتكتيك.

وتتحول هذه القوى الى احزاب سياسية تفكر بالدولة واستحقاقات وشروط نموها وتطورها، وهذا الوجود السياسي يستحوذ على حيز مهم داخل الوسط الشيعي وله ادواته التنظيمية والاعلامية الفاعلة، اما الاحزاب التي ترفع شعار بناء الدولة وتريد اعادة قوتها وهيبتها، فأنها لن تجد جمهورا كبيرا يصوت لها، فهي لا تفصح بما فيه الكفاية عمن يهدد الدولة ويحول دون بنائها وعودة قوتها وهيبتها، فاذا كان الاحتلال والارهاب هما اقوى هذه التحديات.

فليس ثمة مسافة سياسية كبيرة بينها وبين القوى التي تتعكز على سلاح وايديولوجية المقاومة وبالتالي هما يعولان على نفس الجمهور وذات الناخب المعبأ، واذا كانت التهديدات ذات طابع بنيوي -فكري -سياسي -اقتصادي -اخلاقي، فعليها ان تضع خريطة طريق واضحة لتخاطب جمهورا غير جمهور الدفاع والثورة والمقاومة.

اما من يرفع شعار الاصلاح، الاصلاح السياسي والاقتصادي، فانه يفتقد لخريطة طريق اصلاحية واضحة الخطوات والاهداف، فهو غير قادر على اقناع فئات جديدة خارج جمهوره (كتلته الصلبة) من اجل ان يفوز بسباق المسافات الانتخابية ويصبح كتلة كبيرة قادرة على التوافق مع الكتل السنية والكردية (المتوافقة على الاصلاح) لتعديل  اوضاع البلاد وفقا لخريطة الاصلاح المقترحة .

مصير الانتخابات ودورها في تغيير الحال المشبع بالازمات، رهين الى حد كبير بصوت الناخب الشيعي الذي انشطر بين قوى ترفع شعار التغيير انطلاقا من منصة تشرين ومسالكها المتشعبة،   وبين القوى المضادة لها او المتعاطفة مع بعض شعاراتها ، وهي القوى التي تسيدت مشهد الدولة طيلة سني ما بعد 2003.

يمكن القول ان التغيير النسبي منوط بمشاركة جيل من الناخبين مقتنع بالمشاركة ومصر على احداث التغيير، وهو جيل لم يتبلور سياسيا وتنظيميا بعد، بل ان قصورا كبيرا في الوعي السياسي يعطل هذا التغيير بسبب سيادة اوهام سياسية كثيرة من اهمها اليأس من التغيير ذاته، وعدم الثقة بالنفس وبالعملية الانتخابية، وانتظار تغير الاحوال بطريقة لا مرئية او غيبية او غير ذلك، عليه لا يمكن القول ان انتخابات العراق عام 2021 ستكون تاريخية ومصيرية.

كما انها لن تكون نافذة للخروج من حالة (التوازن السياسي) الذي يعطل السير بأحد الخيارات المطروحة، ستتمكن القوى التي ادارت السلطة والدولة من اعادة انتاج نفسها مرة اخرى، وسيجمع البرلمان القادم قوى محافظة وتقليدية همها الاول المشاركة في السلطة، بزعم دعم وفرض افكار الاصلاح والمقاومة ومواجهة مشروع الارهاب المستوطن في العراق.

اما المشكلات البنيوية وبالاخص الاقتصادية ومايتفرع منها فانها لن تكون محور التفكير والدعاية الانتخابية، وهو ماسيعيد انتاج ازمات العراق السياسية والامنية والاجتماعية نتيجة للمعضلة المركزية، معضلة بناء دولة الخدمات والمنجزات، فمادام الانقسام يعطل  الارادة الوطنية في مقاربة الاولويات والمشكلات بوعي جديد فان التغيير المنشود لن يكون مرئيا في هذه المرحلة.

.............................................................................................

* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق