منذ أيام والمواقع والقنوات الإخبارية والبحثية ومواقع التواصل الاجتماعي تتداول أخبار عودة طالبان لتولّي الحكم والسلطة في أفغانستان، وكالعادة انقسمت الآراء والتحليلات بين المؤيد والمستبشر خيراً والمبتهج بـ(نصر الله) للطائفة الموعودة بالنصر، ومدعّماً كلماته ببعض الآيات القرآنية الكريمة، وغيرها من الأقاويل والأحاديث التي تعمل على خلق رأي عام قد يحشد فئة مغيبة، أو غير واعية بشكل كافٍ، لما يدور في التفاعلات الدولية والسياسة العالمية من تفاهمات ومساومات، قد يظهر أغلبها خلاف الواقع، وقد يعمل على خلق بطولات وهمية وخرافات كالتي شهدناها في أواخر الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، بخصوص بعض الكرامات والظواهر الخارقة التي وهبها (الله تعالى) للمجاهدين في أفغانستان، والتي كان لها الدور الكبير في خلق أجيال موهومة من الإرهابيين الذين ألحقوا بأنفسهم وبدولهم وحتى بالدين الإسلامي أشد الضرر المادي والمعنوي.

مقابل فئات أخرى غير مرحبة بهذه العودة، ومتشائمة من امكانية إعادة تنشيط الجماعات الإرهابية من جديد، وبأهداف وأشكال جديدة، ومتسائلة عن كيفية حدوث هذا التغيير السريع والمفاجئ، وغير المتوقع، فضلاً عن آراء أخرى غير متفاجئة بسبب متابعة الأحداث والتفاعلات الدولية بشكل دقيق، ولكنها تترقب النتائج، والتي قد يمتد تأثيرها بلا أدنى شك ليتجاوز حدود دولة أفغانستان، إلى دول وأقاليم أخرى.

وفي هذا الصدد، فإن أهم التساؤلات التي يمكن أن تطرح في هذا المجال هي: كيف حدث الأمر؟ أو ما هي حيثيات عودة طالبان للحكم؟ وما هي أهم النتائج والتداعيات المحتملة؟ والسؤال المهم هو هل أن طالبان انتصرت فعلاً؟ وإذا كانت كذلك فما هي دلالات هذا الانتصار؟ وبأي أدوات؟ وما هو السلوك السياسي المتوقع أن تسلكه الحركة في إدارة شؤون الدولة؟.

أولاً: عودة طالبان

بالنسبة للتساؤلات حول كيف جرت الأمور التي قادت إلى تمكين حركة طالبان من العودة للسلطة في أفغانستان، فإنه من خلال المتابعة الأولية للسياسات الأمريكية تجاه دول الشرق الأوسط في أواخر فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمكن ملاحظة أن القضية الأفغانية كانت على رأس أولويات الإدارة الأمريكية في تلك الفترة، وقد تم استئناف المفاوضات بين الجانب الأمريكي وحركة طالبان في الدوحة، وتحديداً في منتصف عام 2019، إذ كانت هناك رغبة لدى كلا الجانبين لحسم الصراع الممتد لفترة زمنية طويلة، وقد تكللت المحادثات التي استمرت حوالي عام ونصف بتوقيع اتفاق سلام وصف بالـ(التاريخي) بين الجانبين، والذي جاء بعد توافق المصالح لكلا الجانبين حول ضرورة إيجاد حل لهذا الصراع الذي حمّل الجانبين خسائر كبيرة دون إحداث أي تقدم، مقابل تفكك الحكومة الأفغانية، وضعف النظام السياسي الأفغاني الذي تم تأسيسه بعد إسقاط نظام حركة طالبان عام 2001. وبالتالي، كانت رؤية الجانب الأمريكي تتلخص بضرورة حسم هذا الملف واعتبرته الإدارة الأمريكية آنذاك أحد آليات الدعاية الانتخابية لحملة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

وتبعاً لذلك، فإن مسألة عودة طالبان مسألة متوقعة وغير مفاجئة نهائياً، فما دام الاتفاق قد تم فإنه بالتأكيد سوف تكون له نتائج، وبما أن الطرفين اتفقوا على السلام والتهدئة، فإن عودة طالبان تعد أمراً طبيعياً وبديهياً وفقاً للاتفاق الذي تم؛ بالأخص وأن الجانب الأمريكي يقود بشكل مباشر منذ شهور المحادثات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان من أجل تنسيق عملية نقل السلطة في أفغانستان، وبالتالي تم الانسحاب المنظم، وتم تسليم زمام السلطة للحركة وفقاً لترتيبات واتفاقات بين الفرقاء.

ولذلك لا يمكن القول بأن الحركة حققت انتصاراً ميدانياً وفقاً لآليات المواجهة العسكرية، وحسابات الربح والخسارة على الأرض، إنما تحقق الهدف من خلال تنظيم وتوحيد الصف داخل قيادات الحركة، وتنظيم عملية إدارة التفاوض مع الخصم بالطرق السياسية، والذي نجحت من خلاله بتسويق نفسها للجانب الأمريكي على أساس أنها البديل الأصلح لمواجهة التطورات الداخلية والإقليمية الحالية؛ فالنظام السياسي الأفغاني ضعيف ومفكك ولم يحقق أي تقدم يذكر لا في مسألة محاربة الإرهاب، ولا في مسالة بناء الدولة، ولا في إحلال نوع من توازن القوى الإقليمي في رقعة جغرافية غاية في الأهمية، وتشهد تنامياً واضحاً في نفوذ بعض القوى الإقليمية الأخرى.

ثانياً: أسباب وتداعيات عودة حركة طالبان

في هذه النقطة تم الحديث عن الأسباب والتداعيات معاً، كون الأسباب تتعلق بشكل مباشر بالتداعيات أو النتائج المتوقعة مما حدث؛ فبالنسبة للداخل الأفغاني هناك حاجة لتغيير واقع النظام السياسي الحاكم بالشكل الذي يحقق مصالح الجانب الأمريكي بشكل جديد غير الذي تم منذ احتلال أفغانستان عام 2001، كونه لم يحقق أي نتيجة سوى تزايد قائمة الخسائر الأمريكية مادياً ومعنوياً من الحملة في أفغانستان، والتي كان المستفيد الأكبر منها بعض الأطراف والقوى الدولية والإقليمية. وهو الأمر الذي يتعلق بالأسباب والتداعيات الخارجية، والتي تمثل أهم الأسباب وراء إطلاق يد حركة طالبان مرة ثانية لتولي السلطة؛ إذ تعد أفغانستان دولة محورية مهمة في مشروع الصين الاستراتيجي (مبادرة الحزام والطريق)، وهي تمثل الطريق الأقصر بين آسيا وجنوب آسيا، وأيضاً بين الصين والشرق الأوسط، هذا فضلا عن مساعي الصين لتنمية نفوذها فيها، فقد تم توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية وتم مد سكة حديد إلى مدينة (حيراتان) الحدودية في أفغانستان، وإنشاء جسر جوي بين كابل ومدينة (أورومتشي) في الصين.

وبالتالي، فإن مزاحمة النفوذ الصيني وارباك مخططاته في أهم الأقاليم الجغرافية التي تستهدفها الصين للتوسع الاقتصادي والسياسي، تمثل إستراتيجية رئيسة للولايات المتحدة الأمريكية من أجل إيقاف النمو العالمي الصيني، من خلال قطع أهم الطرق الستراتيجية التي تضعها الصين على قائمة أولوياتها وسياساتها العالمية. ومن المتوقع بأن تكون أكثر أثار وتداعيات عودة طالبان للحكم في أفغانستان (مستقبلاً) على الصين؛ كونها ممكن أن تعرقل مشروعها الستراتيجي العالمي، فضلاً عن احتمالية تنشيط بعض الحركات الدينية المتضررة من سياسات الصين وتشددها تجاه الأقليات الإسلامية، والتي من الممكن أن تعمل على تهديد طرق التجارة الصينية في باكستان وغيرها.

وأيضاً ممكن أن تمثل عودة طالبان تهديداً محتملاً لإيران، والتي شكل الاحتلال الأمريكي لأفغانستان أحد أهم عوامل تأمين حدودها الشرقية التي كانت تشكل أحد أهم الهواجس الأمنية بالنسبة لطهران، بسبب الاختلاف العقائدي والإيديولوجي بينها وبين النظام السياسي الأفغاني إبان حقبة طالبان، وبالتالي فإن هناك تخوفاً في طهران من عودة طالبان للحكم، كونها من الممكن أن تشكل تهديدات أمنية واقتصادية وسياسية؛ بسبب التجربة السابقة في التفاعل مع الحركة، وأيضاً لا تزال العقلية الإيرانية تتوجس خيفةً من طالبان الذي يحمل أيديولوجية إسلامية متشدّدة، تعتبر منافساً لأيديولوجية ولاية الفقيه، وتنبع المخاوف الإيرانية من حركة طالبان من الرؤية الإيرانية للحركة، وطبيعتها، وتعقيدات التعامل معها.

وبالتالي، يمكن أن يكون هدف زرع منافس عقائدي يهدد أمن طهران من أهم الأسباب التي دعت الولايات المتحدة الأمريكية للإقدام على عملية الانسحاب من أفغانستان، كون الصراع الأمريكي الإيراني لا زال يعد من الملفات الساخنة والتي تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد حلول مناسبة لها، بما يخدم المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها في المنطقة، من خلال المنافسة غير التقليدية.

ولذلك يمكن أن تكون هناك تداعيات أمنية واقتصادية لعودة حركة طالبان على الجانب الإيراني في الأمد البعيد، والذي يحمل هواجس عديدة وتضارب في المواقف حيال تحديد السلوك الإيراني الأمثل مما يجري على الساحة الأفغانية.

ثالثاً: السلوك السياسي المتوقع لحركة طالبان

تعد مسألة بناء الدول من المسائل الراسخة في النظام الدولي، فالدولة ما هي إلا إقليم جغرافي يحتوي على شعب ويتمتع بالسيادة، وقبل كل شيء تعد مسألة (الإعلان والقبول)، من أهم المتطلبات للاعتراف بأي دولة بأنها كيان سياسي وقانوني قائم، وعضو في المجتمع الدولي؛ وتبعاً لذلك فمن المتوقع أن تسلك حركة طالبان وبالأخص في الفترات القريبة سلوكاً سياسياً مقبولاً لكي تغير الصورة النمطية التي رسمتها لها السياسات الأمريكية السابقة بعد حملة الحرب على الإرهاب والتي كانت حركة طالبان طرفاً رئيساً فيها، ومن ثم السلوك المسالم القائم على احترام حقوق الإنسان، وقبول الآخر المختلف دينياً وعقائدياً وسياسياً سيكون الطابع العام لسلوك الحركة في إدارة شؤون الدولة وعلاقاتها الخارجية في المرحلة الحالية والمراحل القريبة القادمة.

وفيما لو كان هناك هدف غير معلن قد تم الاتفاق عليه في المفاوضات مع الجانب الأمريكي، سواء فيما يخص تهديد مصالح القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة، أو حتى القوى الإقليمية القريبة، فإن هذه السياسات سيكون لها سيناريوهات مستقبلية وحوادث وأسباب مفتعلة من أجل تبريرها في المراحل القادمة. فما يهم حركة طالبان الآن الحصول على الاعتراف الدولي، والتمكن من السيطرة الكلّية والشاملة على كافة أقاليم ومفاصل الدول.

الخاتمة:

تمثل عودة حركة طالبان من أهم الملفات الساخنة على الساحة السياسية والإعلامية حالياً، من أجل محاولة تفسير أسباب العودة المفاجئة، وتحديد أهم تداعياتها، وهناك من رأى فيها نصراً تحقق بعد جهاد طويل وصبر، وابتهج لذلك، مقابل من يرى بأن ما يجري في أفغانستان يمثل تهديداً جديداً قد يطال العديد من الدول والمجتمعات كونه قد يقدم دعما للجماعات الإرهابية ويبث الروح المعنوية فيها من جديد بعد الهزائم والانكسارات التي لحقت فيها سواء في العراق أو سوريا أو غيرها، وبالتالي تم تحميل الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية ما جرى، وبلا أدنى شك فإن الجانب الأمريكي يتحمل المسؤولية بشكلٍ كاملٍ، بسبب وجود بعض الأهداف والنتائج التي من الممكن أن تتحقق مستقبلاً، والتي قد تضعف من مكانة ونفوذ القوى الدولية والإقليمية المنافسة لها، ويمكن أن تحقق من خلالها الإدارة الأمريكية تقدماً على خصومها بشكل غير تقليدي وغير مباشر.

بالتالي، لا يمكن أن يتم تفسير ما تم في أفغانستان حالياً، وفقاً للخبرات التاريخية القديمة، أو التفسير وفقاً لنظرية (النصر الالهي) أو احتمالية عودة نشاط الحركات الإرهابية وتهديد أمن المجتمع الدولي من جديد، إنما ما حدث ببساطة هو اتفاق أمريكي– طالباني، لإعادة رسم شكل النظام السياسي الأفغاني من جديد بالشكل الذي يغير من المعادلة الإقليمية والدولية، ويرسل إشعارات ورسائل لبعض النظم السياسية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية، بأن لا شيء ممكن أن يدوم وكل شيء قابل للتغيير.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق