ايا كانت النتائج التي خرج بها مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، وايا تكن التقييمات لقيمة المؤتمر السياسية والاقتصادية، لكن جمع هذا العدد من جيران العراق ودول عربية الى جانب فرنسا ليناقشوا قضايا التعاون والاستقرار والامن في المنطقة، وفي الاسبوع الاول بعد العام المائة من عمر العراق الحديث، يحسب للدبلوماسية العراقية ولجهود العراق الساعية الى تحييد ساحته عن الصدامات والصراعات المحتدمة اقليميا واستراتيجيا.

ان ضمان الامن والسلام الداخلي العراقي والاستجابة لتوقعات ومتطلبات السكان تحديات رهينة، بنضج القوى السياسية العراقية وتكامل الوعي الوطني، والتعلم من دروس الماضي الحديث والمعاصر، وادارة ناجحة لعلاقات العراق الاقليمية والدولية ، لقد كانت مشكلة العراق الكبرى في صراع الاخرين عليه ونجاحهم في استقطاب الاتجاهات السياسية الداخلية، بما قادها ويقودها الى التناحر الفكري والسياسي على خلفية حمولات ايديولوجية ورؤى استراتيجية عربية -تركية -ايرانية -غربية، كلها تريد للعراق ان يكون ضمن مساحة نفوذها واداة من ادواتها في لعبة الصراع والتوافق.

لقد حتمت الجغرافيا والديموغرافيا على العراق ان يكون دولة محورية في استقرار هذه المنطقة او اضطرابها ،فهو العقد الفريد الذي تتنافس على اقتنائه الامبراطوريات العظمى والدول الاقليمية الكبرى، وتخشى منه الدول الصغرى، فقوة العراق مخيفة لجميع جيرانه، مثلما ان ضعفه واضطرابه يعصف بتوازنات المنطقة ويجعله ساحة تنازع وتنافس مرير.

هكذا صارت (حتمية) التاريخ والموقع عنصرا من عناصر التخطيط للسلوك السياسي المفيد والناجح، لا يمكن للعراق ان يكون بيدقا عربيا ضد الاتراك أو الايرانيين، ولا يمكن ان يكون حليفا بلا قيد او شرط لايران على خلفية مذهبية أو ايديولوجية فيستثير حمية الأخرين وعصبياتهم، كما لايمكنه ان يعود لابسا الجلباب العثماني باعتباره الجزء الذي اقتطعه الغرب بزعامة بريطانيا يوم تقرر تصفية امبراطورية الاتراك التي عادت اليوم تجدد حيويتها وصورتها وطموحاتها بلباس اسلامي -قومي معاصر. كما ان العراق عصي على ان يكون موقعا مستلحقا بالغرب بزعامة امريكا او بريطانيا او فرنسا.

يوم فشلت انظمة العراق السياسية ونخبه في تقدير مزايا ومخاطر موقع العراق، وتاريخه وتركيبته السكانية ودوره المفترض، صار العراق ميدانا لتقاطع الرؤى والولاءات والاهواء والميول، وانقسم المجتمع الى جماعات وكتل سكانية مستقطبة الى الخارج، مرجعياتها الثقافية والسياسية خارج العراق، وفعلها الداخلي اصداء لسياسات الخارج ومعارك الاخرين وطموحاتهم. كل يتوهم الحل والخلاص بتغلب رؤيته وتحقق شعاراته، فانقلب الامر الى فشل متراكم، وتضحيات جسام اضعفت البلاد وانزلتها الى الدرك الاسفل من التراجع على كافة الصعد وغدت الدولة هشة امنيا واقتصاديا.

اليوم حيث يدشن العراق مئويته الثانية معلقا بأمال ان يتفهم الاخرون دوره ومحنته، يأتي مؤتمر بغداد ليكون مناسبة رمزية (مؤتمر القاهرة عام 1920 دشن مئوية العراق الحديث الاولى بتأسيس السلطة والنظام الملكي) وخطوة عملية نحو رؤية جديدة، تقوم على استبدال الفكر القديم بفكر جديد، فكر الاستثمار بالسلام والامن والتعاون الاقتصادي والشراكة متعددة الاطراف، ليعود العراق -كما يرجو عقلائه-جامعا للدوائر المتقاطعة المتنافرة، أو على الاقل احترام فرادته، لكي يتجنب صيرورته ساحة تنافس شديد ارتدت عليه عنفا وانقساما وتقهقرا تنمويا.

العراق الذي ينزف منذ عشرات السنين يحتاج الى من يقدر خطورة دورانه في حلقة الاضطراب والضعف، ويمد له يد الشراكة والتعاون لتقوى دولته وتغدو دولة (مركزية) كما يسميها صديقنا الباحث حسين درويش العادلي في رسالته الى الذين اجتمعوا ببغداد.

مركزية العراق وسيادته وهوية امته الوطنية ونهوضه الاقتصادي، هي شرط الاستقرار والامن في المنطقة وحجر الزاوية للأمن الاقليمي المفقود، لا وقت كبير يمكن تضييعه في التجريب والمقاربات الخاطئة، فالمتغيرات عاصفة والتحديات اكبر من ان تواجهها مشاريع المحاور المتصارعة الراهنة، ان درس عودة طالبان الى الحكم في افغانستان وانسحاب الامريكان، يذكران بهزيمة العرب عام 1967 وانسحاب بريطانيا العسكري من شرق السويس.

فقد حلت امريكا محل بريطانيا كقوة مهيمنة واصبح شاه ايران شرطي المنطقة حتى نهاية عام 1978، المنطقة مفتوحة على مخاطر جسيمة دونما ترتيبات امنية وشراكات اقتصادية وتفاهمات سياسية، العراق يريد ان يستأنف دور الفاعل الاقليمي من وحي تقديراته لخطورة المرحلة الراهنة على وجوده ووجود جيرانه ومستقبل هذا الجزء الحيوي من العالم. وممارسة دور الفاعل خارجيا يحتاج الى اتفاق الارادة الداخلية، وهي الشرط المفقود حتى اللحظة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق