مشهدين من افغانستان يذكرنا بمشهدين مماثلين –تقريباً- في العراق؛ دخول وفد من جماعة طالبان الى مأتم حسيني في إحدى المدن الافغانية قبل أيام، في وقت يتسابق متعاونون افغان مع القوات الاميركية على التشبث بعجلات الطائرات الاميركية لكسب أي فرصة للهروب من احتمالات الانتقام بعد انهيار نظام حكم أشرف غني "المنتخب ديمقراطياً"، وفي الجانب العراقي، مشهد دخول شيعة العراق عام 2003 القصور الرئاسية في بغداد، وتسلّم مقاليد الحكم، فيما الأخوة السنّة الذين وجدوا انفسهم بين ليلة وضحاها خارج الحكم، يلوذون بالبساتين والصحاري، بل وحتى بعيداً عن أرض الوطن تحسباً لما سيتحقق الذي في اذهانهم من أوهام الانتقام بعد الاطاحة بنظام صدام بفضل القوات الاميركية.

اذا قارنا بين الصورة الايجابية التي كانت عليها "المعارضة العراقية" يوم عودتها الى العراق سنة 2003، وبين الصورة السلبية والظلامية لطالبان لدى دخولهم العاصمة كابول ومدن عدّة في افغانستان، عرفنا حجم الفارق الكبير بين المشهدين، وأدركنا ايضاً حجم الخسارة الفادحة والعظيمة بسبب "التكلّس" في تفكير بعض الجماعات السياسية العراقية –نقول بعض- بان كل خطوة ساروا عليها صحيحة، لاسيما طريقة الإطاحة بنظام صدام، ثم طريقة تشكيل النظام السياسي فيما بعد، وفق الرؤية الاميركية، والذي تحوّل الى بنية تحتية للدولة العراقية الجديدة لتكون بمنزلة الدولة الثانية بعد الدولة التي تشكلت وفق الرؤية البريطانية في اعقاب ثورة العشرين عام 1920.

الصورة السلبية الملطخة بالدماء، والمنهج المتطرف والعنيف لم تمنع طالبان من العودة بكل ثقة واقتدار الى نفس العاصمة كابول التي تركوها بفعل القصف الأميركي ثم الاحتلال العسكري عام 2002، فهم لم يغادروا افغانستان بعد تشكيل الدولة الجديدة على أنقاض الحرب الاميركية بزعامة حامد كرزاي، بل أصروا منذ الايام الاولى لهذه الدولة على أنها فاقدة للشرعية وللمستقبل في آن، لفقدانها الجذور الاجتماعية والثقافية في الارض، بينما هم يعدون انفسهم جزءاً من كيان المجتمع الافغاني؛ اجتماعياً كونهم ينتمون الى أكبر قومية في البلاد وهي "البشتون"، كما أنهم يعدون أنفسهم المعنيين بتطبيق الشريعة الاسلامية أفضل من غيرهم، كونهم بالاساس منطلقين من المدارس الدينية فهم "طالبان"، وتعني باللغة الافغانية؛ طلاب العلوم الدينية، وقد وضعوا حداً للتناحر والتنافس المحموم على السلطة عام 1996 بين "المجاهدين" أصدقاء أيام الجهاد ضد الغزو السوفيتي، والاعداء لدى تقسيم الغنائم.

يكفي أن نعرف أن في باكستان جرى انقلاب عسكري في نفس السنة (1996) أطاح بنظام برلماني شرعي، بزعامة رئيس الوزراء نواز شريف الذي كان يترأس حزباً ذا أغلبية في البرلمان الباكستاني، فجاء قائد عسكري يدعى برويز مشرّف ليشكل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها رعاية صعود طالبان الى الحكم في افغانستان والتخلّص من النزاع الدامي بين الفصائل المسلحة المتقاتلة على السلطة آنذاك، وذلك في مرأى ومسمع المجتمع الدولي الصامت أمام هذا المشهد الغريب، لاسيما الادارة الاميركية آنذاك، والتي لم يتحرك فيها شيء سوى الاعلام لمتابعة جرائم القتل والجلد والرجم ومعاقبة الفتيات والنساء غير المنقبات خارج المنزل وغير ذلك من الممارسات القمعية.

مع ذلك كان صعود طالبان الى السلطة بمنزلة استرجاع الانفاس –ولو لفترة وجيزة- مما كانت عليه البلاد من فوضى السلاح والأمن، حتى أن العاصمة كابول تعرضت لوابل من القذائف في ليالي شهر رمضان على يد المتناحرين على السلطة، وقد أخذ الجنرال مشرّف على عاتقه الترويج للبديل الجديد على أنه رسول الأمن والاستقرار، حتى أنه قال ذات مرة في مؤتمر صحفي عن سبب دعمه لحكومة طالبان "بأنك اذا تركت سيارة مملوءة بالذهب في احدى شوارع كابول ليلاً ستعود اليها في الصباح وهي في مكانها لم يُسرق منها شيء"!

كان للإعلام الغربي دور بارز وأساس في تعزيز الصورة السيئة لطالبان في الاذهان، من خلال نشر التقارير والصور عن الانتهاكات ضد المرأة، وضد التراث، وضد كل ما يتصل بالتطور والتقدم الانساني، حتى تمكن من تبرير الحرب الاميركية للاطاحة بهذا النظام رغم قساوة الحرب وعدم مشروعيتها وإلصاق تهمة المشاركة في أحداث الحادي من ايلول عام 2001 في نيويورك وواشنطن، واليوم نفس هذا الاعلام يتحدث عن عبثية الحرب الاميركية، بل وعبثية كل الجهود والمحاولات الاميركية لإنشاء نظام بديل تحت شعار "ديمقراطي" في افغانستان، فكانت النتيجة؛ نظام سياسي مهزوز منخور بالفساد وعاجز عن تلبية احتياجات الشعب الافغاني، إلا في استيراد أنماط الحياة الغربية غير المعهودة لدى الشعب الافغاني وغير المنسجمة مع ثقافته وهويته.

ونفس هذا الاعلام نراه اليوم يكرّس تلك الصورة القديمة التي مضى عليها حوالي عشرين سنة، وهي تدفع بآلاف الافغان المتعاونين سابقاً مع الاميركيين للهروب من احتمال الانتقام على يد طالبان، فكانت المشاهد المثيرة والغريبة بالتشثبث بالطائرات الاميركية المغادرة لافغانستان، بدعوى أن طالبان يحملون فكراً ومنهجاً لا يمكن التخلّي عنه، وأن التطرف الديني يدفعهم للانتقام من "الخونة"، أو "المرتدين"، بيد أن المعطيات على الارض تؤكد أن رسالة التغيير "الطالبانية" وصلت الى واشنطن منذ دخولها المفاوضات مع طالبان منذ اكثر من سنة، كما وصلت الى موسكو، وايضاً دول معنية اخرى مثل الصين وايران، فالعواصم المعنية لا تهمها المناهج والافكار بقدر ما تهمها الممارسة العملية، وهذا ما تعلمه طالبان طيلة السنين الماضية، لذا كانوا يرون بصيص النور في نهاية الطريق الدموي الذي ملؤه بالجثث طيلة السنوات الماضية تحت مبرر مواجهة قوات الاحتلال الاميركي والقوات الحكومية المتحالفة معها، والاستفادة القصوى من الاسقاطات السياسية والاقتصادية في البلاد، وإثبات أنهم الأولى بالحكم ممن جاؤوا من وراء الحدود.

إن الاطاحة بنظام يفترض ان يكون ديمقراطياً في كابول، ثم عودة الجماعة الارهابية الى الحكم في كابول مرة اخرى، حمل الكثير من الدلالات والتفسيرات تحدث عنها الكثير في وسائل الاعلام، منها؛ تجربة التغيير غير المتوقع لسلوك حركة موسومة بالعنف والتطرف، وانتهاجهم اسلوب الاستيعاب والتفهّم لحاجات المجتمع، ومنها؛ قضية المرأة، والانفتاح على العالم الخارجي، وايضاً تأييدهم لأول مرة للشعائر الحسينية لدى الشيعة، ومسائل عديدة يفترض ان تكون تحت التجربة وعلى محك الأيام القادمة.

وبعيداً عن النوايا والخبايا، فان مجرد مشاركة وفود من طالبان في مراسيم العزاء الحسيني يمثل رسالة تغيير واضحة، وربما توقيت التغيير السياسي الكبير والمفاجئ في هذه الأيام بالذات (العشرة الاولى من شهر محرم) لم يأت من فراغ، فالوجود الشيعي بشكل عام، ومراسيم عزاء الامام الحسين، عليه السلام، تمثل للداخل الافغاني وايضاً للعواصم المعنية أول وأكبر اختبار لحسن السلوك "الطالباني"، للتعارض الكبير بين عقائد الشيعة وعقائد طالبان، علماً أن الخطيب الحسيني في احدى الحسينيات لم يرحب بوفد طالبان بهذه التسمية (طالبان) وإنما عرّفهم للجمهور المعزي في الحسينية على أنهم "أخوة مجاهدين من الإمارة الاسلامية"! وفي آخر اتصال من كابول لم يسجل أي حادث مداهمة او اعتقالات، إنما الحياة طبيعية، كما هي في سائر المدن الافغانية.

عودة الى المشهد العراقي وما انجزته الاحزاب السياسية العراقية، لاسيما الشيعية في العراق خلال توليها الحكم طيلة السنوات الماضية بنفس السيناريو الافغاني عام 2001 بل كان الدور على صدام يعد مسألة وقت آنذاك، فلا جماعة طالبان لها من التجربة السياسية والعمق الفكري والثقافي كالذي لدى الاحزاب الاسلامية، ولا المتخوفين من عودة طالبان كانوا أكثر اجراماً واستشعاراً بالانتقام من العاملين في سجون صدام، والمنتمين الى الاجهزة القمعية والمخابراتية، وأمضّ من كل هذا؛ الحاجة القصوى الى تغيير المنهج والسلوك "المعارضاتي" السابق والانطواء على الافكار والايديولوجيات والانتماءات الطائفية والمناطقية، فكان يفترض الانفتاح على كل مواطن في هذا البلد أينما كان، وبث مشاعر الثقة والاطمئنان في النفوس، وقد ثبت نجاح هذه التجربة عندما حررت قوات الحشد الشعبي المناطق ذات الاغلبية السنية وحتى من اتباع الطائفة الايزيدية من عناصر داعش وممارساتها القمعية والاجرامية، فعرف حينها الناس هناك من يكون الشيعة؟ وما هي ثقافتهم؟ فهل كان يجب ان يسقط حوالي عشرين ألف شهيد من الحشد الشعبي خلال سنوات المواجهة مع داعش –قالها اللواء المتقاعد عبد الكريم خلف في حديث تلفزيوني- حتى يعرف الاخوة السنّة أنهم غير مستهدفين من الاخوة الشيعة؟!

والسؤال الاكثر جدارة في هذا السياق: هل يجب ان نبقى منتظرين الرؤية الاميركية للوضع العراقي، كما فعل الخاسرون في كابول بالأمس، لتقرير مصيرنا أمنياً واقتصادياً وسياسياً، ونترك القاعدة الجماهيرية لقدرها؟ فقد بان التصدّع على القواعد الجماهيرية للمكونات الاجتماعية نفسها؛ الشيعية والسنية بسبب سوء الإدارة والتخبط الفظيع والفساد والمحاصصة حتى بات الناس في معظم المدن مبتلون بطبقة سياسية لا تفكر حتى بانتمائها الطائفي فضلاً عن الانتماء الوطني، فقد أعلنها الرئيس الاميركي جو بايدن بصوت عالٍ: "لم نكن بصدد تأسيس دولة في افغانستان"! والامر كذلك ينسحب على العراق وأي بلد آخر على هذه الشاكلة، إنما الأمر يعود الى أهله ونخبه السياسية والثقافية التي يفترض أن تقدم ما في جعبتها من رؤى وافكار وبرامج للحال الحاضر المستقبل.

اضف تعليق