قلَب السيد مقتدى الصدر الطاولة السياسية حين أعلن عدم مشاركة تياره في الانتخابات النيابية المزمع عقدها في 10 أكتوبر المقبل، معلناً عدم دعمه أي حزب؛ بل إنه غسل يديه من الحكومة المقبلة والحكومة الحالية، متبرئاً من بعض الذين يدّعون الانتساب إلى آل الصدر.

وبرر خطوته غير المسبوقة بأنه سيبقى بعيداً عن الانتخابات القادمة، معتبراً أن الوطن أهم من كل ذلك. ورأى الصدر في خطاب مدته خمس دقائق أن «الجميع إما قاصر أو مقصّر والكل يتبجّح بالفساد، والكل تحت طائلة الحساب».

وجاء هذا القرار المفاجئ بعد حريق مستشفى الحسين في مدينة الناصرية، وهو الحريق الثاني بعد حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد.

وكان عدد من النواب بمن فيهم نائب رئيس البرلمان الحالي حسن الكعبي أعلنوا الانسحاب من المشاركة في الانتخابات المقبلة، كما قام عدد من أنصاره بإحراق البطاقة الانتخابية أمام عدسة الكاميرا تنفيذاً لقرار الصدر، المعروف بولاء تياره المطلق له وانضباطه العام.

ومن الطبيعي أن تنسحب قوى أخرى من المشاركة في الانتخابات أو تقاطعها بعد انسحاب أكبر تيار سياسي في العراق، وهو ما فعله الحزب الشيوعي العراقي الذي تحالف معه في إطار قائمة «سائرون»، وحاز مقعدين في انتخابات عام 2018 في حين نال التيار 52 مقعداً.

وتُعد مقاطعة تيار الصدر ضربة كبيرة لمطلب الانتخابات المبكرة؛ إذ من المحتمل أن يتم تأجيلها إلى عام 2022 وهو موعدها المقرر. فقد أربك الصدر المشهد السياسي وزاد من تعقيداته، فبعد الانتقادات الشديدة لكامل الطبقة السياسية من جانب حركة تشرين الاحتجاجية عام 2019، بكونها غير كفؤة وفاسدة، راهنت على قانون انتخابي جديد تستطيع بموجبه إحداث تغيير في إطار الدوائر الانتخابية «المصغّرة»، وإلغاء التصويت على أساس القوائم لصالح منح الأصوات للمرشحين الأفراد.

الصدر بعفويته وقراراته يخرج عن المألوف بمفاجأته لحلفائه قبل خصومه، إلى درجة جعلتهم في حيرة من أمرهم. ويعود ذلك إلى قراره وحده، والتزام تياره «الحرفي» به. فهل يستمر في قراره أم إنه يمكن أن يقلب ظهر المجن مرة أخرى؟ وهو أمر لا أحد يستطيع التكهّن به.

ومثل هذا الانطباع يظل سائداً في الشارع العراقي على الرغم من وصول الأوضاع العامة في البلاد إلى حالة من انعدام الثقة بالجميع: قوى ومؤسسات وأجهزة، فلم يحصل أي تقدم حقيقي، باستثناء هزيمة «داعش» العسكرية في نهاية عام 2017.

وتُحسب للصدر على الرغم من الانتقالات السريعة في مواقفه السياسية، ثلاثة ثوابت أساسية أولها: تمسكّه بعروبته وتأكيده للهوية العراقية، وثانيها عداؤه للاحتلال الأمريكي؛ بل مقاومته له، وثالثها استمرار تنديده بالنظام السابق. لكن هذه وتلك لا تشكّل مشروعاً سياسياً قادراً على التغيير.

وكنتُ قد سألته قبل نحو عقد من الزمن عقب الانسحاب الأمريكي من العراق 3 أسئلة وهي: ما هي فلسفة التيار، وبمَ يختلف عن الجماعات الإسلامية الأخرى؟ وما هو موقفه من الشيوعية والشيوعيين؟ وما هي نظرته إزاء الدولة ومرجعياتها؟

وكانت الإجابات عمومية مثل الأغلبية الساحقة من القوى السياسية التي تأسست بعيد الاحتلال أو قبله، وهذا يعني غياب مشروع سياسي تغييري شامل بتحالفات وتدرج وتراكم للإنجاز.

أما طريقة اتخاذ القرار فهي نفسها في الأحزاب القائمة في العراق، عربية كانت أم كردية أو غيرها؛ إذ غالباً ما يكون رأي الشخص الأول سائداً ويخضع له الجميع، حتى لو سُمح للبعض بالمناقشة أحياناً. ولعل ذلك من تراث الحرب الباردة، واستلهاماً بكتاب لينين: ما العمل؟ الذي مضى عليه ما يزيد على قرن ونحو عقدين من الزمن، وهو مرجعية للأحزاب الشمولية بقضها وقضيضها: الشيوعية والقومية والدينية.

فهل ستُجرى الانتخابات أم تُؤجل؟ وقد لا تُجرى في موعدها المحدد، فهل يعني هذا بقاء مصطفى الكاظمي في سدة الحكم في حال عدم إجراء الانتخابات، علماً بأن مهمته تتلخص في إجراء انتخابات مبكرة خلال فترة انتقالية جرى تمديدها، فهل سيتم التمديد لفترة أخرى؟ وماذا لو جرت الانتخابات دون مشاركة الصدر؟ فكيف يمكن تشكيل حكومة عراقية في ظل معارضة شعبية ستكون كاسحة هذه المرة؟ وماذا عن التحالف الصدري مع الحزب الديمقراطي الكردستاني؟ وهو ما أُعلن عنه في آخر زيارة للصدر إلى كردستان.

هذه الأسئلة تُشغل العراقيين مثلما تُشغل الإيرانيين والأمريكيين، وتولّد أسئلة أخرى بانتظار ما سيُقرره الصدر، فمن سيتمكن من حل لغز شيفرته الغامضة؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق