لا يساورني شك في ان القران الكريم حينما نزل على صدر النبي محمد (ص) كان يهدف الى اقامة مجتمع صالح يكون قاعدة لبناء دولة صالحة. وذلك استنادا الى حقيقة اقر بها انجلز بعد مئات السنين وهي ان الدولة نتاج مجتمعها، بقوله :”الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره”.(1884).

ولهذا وجدتُ ان القران الكريم حرص على ارساء الاسس القيمية والاخلاقية، او منظومة القيم العليا، الكفيلة بضمان الاشتغال السليم للمركب الحضاري للمجتمع وعناصره الخمسة، وبالتالي انتاج الدولة الصالحة. فتكون هذه الدولة نتاجا بشريا مستندا الى قيم عليا الهية المصدر. وهذا كله في اطار منهجية الفهم الحضاري للقران الكريم.

وفي مقدمة هذه الاسس ما نجده في الايات التالية على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر:

الاساس الاول، استخلاف الانسان:

“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”.

الاساس الثاني، العدل:

“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ”.

الاساس الثالث، الشورى او سلطة الامة:

“وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”.

الاساس الرابع، السلم الاجتماعي:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”

الاساس الخامس، التعاون:

تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الاثم وَالْعُدْوَانِ”.

الاساس السادس، التضامن الاجتماعي: “وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”

الاساس السابع، مسؤولية الناس:

“لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”

الاساس الثامن المساواة بين الرجل والمرأة: “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ”.

الاساس التاسع، عدم جواز ولاية الظالم:

“لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ”.

وغيرها الكثير من الاسس الحضارية العليا التي شكلت منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري للمجتمع العربي الاسلامي انذاك.

وكان من شأن هذه الاسس ان تضع المجتمع في خط الاتجاه التاريخي العام الذي اطلقت عليه اسم “الدولة الحضارية الحديثة”، ذلك ان بعثة النبي محمد (ص) جاءت على امتداد هذا الاتجاه التاريخي العام، بل نقطة تحول مهمة في هذا الاتجاه تمثلت في اختتام النبوات دليلا على وصول البشرية درجة اخرى من النضج العقلي تنتهي فيها حاجتها الى الوحي السماوي المباشر. توفي النبي محمد (ص) بعد 10 سنوات من اقامة دولته في الجزيرة العربية. وحسب “الاتجاه التاريخي العام”، كان ينبغي ان تتطور هذه الدولة بصورة تصاعدية وتراكمية بنفس خط سير هذا الاتجاه على اساس منظومة القيم الحضارية العليا التي جاء بها القران، والتي تمثل بحد ذاتها اضافة كبيرة للقيم العليا في تطورها التاريخي العام، طبقا لما يروى عن الرسول محمد (ص) قوله:”إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ، و في روايةٍ (صالحَ)، الأخلاقِ”. وهو حديث صحيح.

ولكن وبسبب عدم تغلغل هذه القيم عميقا في بنية ذلك المجتمع، الخارج حديثا من عصر الجاهلية، فسرعان ما انتكست مسيرة الدولة والمجتمع، حصل خلل سياسي حاز في منظومة القيم العليا، ما ادى الى تراجع اداء عناصر المركب الحضاري، وبالتالي خروج الدولة من سكة السير الموصلة الى الدولة الحضارية الحديثة، على العكس مما حصل مثلا في بريطانيا بعد اقرار وثيقة “الماگناكارتا”، عام 1215، اي قبل سقوط بغداد المدوي في عام 1258.

سلطة الامة

وتمثل ذلك الخلل السياسي الحاد بسقوط سلطة الامة/ المجتمع، اي سقوط مبدأ “الاستخلاف” باستيلاء معاوية بن ابي سفيان على الخلافة في عام 41 هجرية وتحويله الحكم من صيغته الشوروية/ الديمقراطية الى الصيغة الاستبدادية الوراثية.

وللامانة التاريخية، فان شخصيات بارزة في المجتمع الاسلامي تصدت لهذا الانحراف وحاولت اصلاح الخلل الحاد في المركب الحضاري، وفي مقدمتهم الامام الحسين عليه السلام، الذي اعلن صرخته المدوية :”إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر”. والاصلاح المقصود في سياقه التاريخي هو استعادة سلطة الامة، حسب مبدأ الاستخلاف الذي صادره معاوية بن ابي سفيان.

صحيح ان المجتمع الاسلامي تمكن من المساهمة الايجابية الكبيرة في المسيرة الحضارية العامة للبشرية خاصة في القرون الثلاثة الاولى من حياته، لكن ذلك كان بفعل “الطاقة الحرارية” التي استمدها من الاسلام، لكن ذلك الخلل الكبير في النظام السياسي للمجتمع، الذي احدثه معاوية، كان ينخر في جسم الدولة حتى سقطت بيد المغول في عام 1258م، في سلسلة تدهور مترابط الحلقات على مدى اكثر من قرنين من الزمان. ولم تفلح الدعوات الاصلاحية منذ ذلك الحين والى اليوم في ارجاع المجتمع العراقي، الذي استضاف الخلافة الاسلامية حوالي 500 سنة، في اصلاح الحال، لانها لم تركز جهدها على اصلاح الخلل الاساسي في المركب الحضاري، اي الاستبداد، رغم ان العديد من المصلحين الافذاذ قد انتبهوا اليه في العصــور المتأخرة مثل جمال الدين الافغاني والنائيني وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.

واليوم، اذْ تفشل تجربة نظام المحاصصة بعد عام 2003 في انتشال العراق، مجتمعا ودولة، من براثن التخلف والاستبداد، فان كلمة “الاصلاح” تبدو مجازية ومتسامحة حيث ان العراق بحاجة الى اعادة تأهيل للمجتمع واعادة بناء للدولة، حيث “فسد” كل شيء من امور العراق.

ومن هنا يأتي اقتراحنا لفكرة الدولة الحضارية الحديثة، التي تمثل رؤية جامعة شاملة لمتطلبات “اصلاح” اوضاع العراق من مختلف الجوانب. ولما كانت الدولة الحضارية الحديثة تقوم على جملة اسس وركائز تمثل الخطوط العريضة لبناء الدولة مثل المواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث، فان هذه الخطوط العريضة تتضمن جملة عناوين تفصيلية فرعية منها على سبيل الاستشهاد والتمثيل وليس الحصر:

النظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام التربوي والنظام الحزبي والنظام الانتخابي والجهاز القضائي والاعلام والمواطن الفعال والجيش والشرطة والقوات المسلحة والجهاز الاداري والتنفيذي الحكومي وحقوق الانسان في والتنمية المستدامة في والعلاقات الخارجية والتعاون الدولي ومنظومة القيم العليا والعلم والهوية الوطنية والهويات الفرعية و كبار السن، والاطفال والمرأة والاسرة والخدمات الصحية والبلدية والمعوقون وذوو الاحتياجات الخاصة وغير ذلك، وكل ذلك في اطار الرؤية الجامعة والمتكاملة والمترابطة للدولة الحضارية الحديثة التي ادعو الى اقامتها في العراق.

وكل ذلك يتطلب العمل على اقامة مجتمع صالح “حسن التنظيم” كما يصفه الفيلسوف الاميركي الراحل جون راولز. والمجتمع الصالح عبارة عن نظام من التعاون المنصف بين افراد احرار ومتساوين، في اطار منظومة حضارية للقيم العليا الحافة بالمركب الحضاري للمجتمع.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق