قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطا جدا، إذ ما من شعب إلا ويريد حكومة تحقق له ما يريد، ونظام سياسي ينسجم وهويته وثقافته الاجتماعية والفلسفية، لكن إحدى أهم الأزمات التي يعاني منها الشعب العراقي قبل وبعد عام 2003 تتمثل بأزمة السلطة بأصنافها المختلفة، وتأتي على رأس هذه السلطات: السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية في النظم الرئاسية، ومجلس الوزراء في النظم النيابية)، وقد يبدو الأغرب من ذلك في ظل النظام السياسي الديمقراطي يمارس شعبه حقه الدستوري في الانتخابات، وهو ما يعني أن الشعب له كلمة الفصل فيمن يمثله بالسلطة النيابية، ومن ثم السلطة التنفيذية بمعنى أنه يختار الحكومة بطريقة غير مباشرة عبر النواب الذين تم انتخابهم.

وفي ظل ذلك يعيش الشعب العراقي السخط من الحكومات التي شهدها العراق طوال حقبة العهد الجمهوري وازدادت النقمة على الطبقة السياسية في عهد الجمهورية الديمقراطية الحالية التي تتحكم بها أحزاب وقوى شيعية وكردية وسنية، والسبب واضح ومشخص هو إخفاق الحكومات من القيام بمهامها التنفيذية من توفير الخدمات وتحقيق دولة الرفاهية والعيش الكريم، والقضاء على المشاكل وتغول آفات خطيرة ابتلعت الدولة وحقوق شعبها في تحقيق التنمية الشاملة وأبرز تلك المشاكل ملف الفساد المالي والإداري الذي يطفو بسلبياته على كل مؤسسات الدولة ويكاد يودي إلى انهيارها، إضافة إلى فوضى السلاح الحزبي والعشائري وتصاعد الهويات المكوناتية سياسيا على حساب مصلحة الدولة وتقدم حقوق المواطنة.

وفي ضوء ذلك يأتي السؤال ماهي الحكومة التي يريدها الشعب العراقي، تفاصيل الإجابة قد لا تكون سهلة أو مثلما ما يتمنى المواطن في العراق في ظل وجود انقسام سياسي ومجتمعي على أساس مكوناتية وسياسية، وتنظر أغلب هذه المجموعات السياسية إلى الحكومة وفق مصالح فئوية تتحكم بها الرغبة النفعية، والاستحواذ على السلطة من أجل هذه الرغبات، وهذه الكتل تعمل على تخويف الجمهور بعناوين سياسية مرة، وبشعارات طائفية مرة أخرى، إذن هوية الحكومة التي يحددها الدستور هي ديمقراطية مختارة من قبل مجلس النواب.

أما الشعب فبعد أن جرب عدد من الحكومات مثلما خاب أمله في ممثليه في البرلمان وعموم السلطة النيابية لم يعد يغتر بشعارات القوى السياسية وأعرافها وإسقاطاتها في اختيار الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة بل يريد حكومة تنسجم مع رغبة الأغلبية من أبناء الشعب في تحقيق التنمية، وتوفر الخدمات، وتحقق الانجاز العمراني والصناعي والزراعي والانزواء على حل مشاكل الدولة.

إذ الشعب العراقي يبحث عن حكومة الانجاز وبناء الدولة وقطاعاتها، وتقدم مشروعها الاستراتيجي وبرنامجها الحكومي القائم القاضي بتنمية القطاعات الاقتصادية والخدمية ولها القدرة والإرادة بأن تضع حداً للآفات السياسية والمجتمعية التي تضرب بالبلد، وظلت تؤثر على مجمل الحياة في العراق ومؤسسات الدولة بقطاعاتها العامة والخاصة، وتثير هذه الآفات تداعيات تشتد خطورة من عام إلى آخر، وهو ما قد يؤدي إلى الوصول لمرحلة الأفول أو السقوط، وحينئذ نضع البلد ومستقبل شعبه أمام سيناريوهات أخرى.

لذا فالخطوة الأولى لتحقيق الشعب لما يريد هو إيجاد حكومة النخبة الوطنية الكفوءة (رجال دولة) لتحقق هذه الحكومة الإصلاح في مختلف القطاعات والمؤسسات، إذ تشير الدراسات الخاصة بإيجاد النخبة أنه من الضروري أن يجمع رجال الدولة بين أمرين؛ الأول: ممارسته لمهام وظيفية عامة تخدم المجتمع، والتي يمكن ممارستها بشكل فردى أو عبر إحدى مؤسسات المجتمع المدني، وحتى هنا يمكن أن يسمى شخصية عامة.

بمعنى أنه وهب نفسه وما يمتلك من مواهب وقدرات وموارد لخدمة مجتمعه ووطنه الذي ينتسب إليه وحتى هنا لا مانع من أن يتقدم أي فرد من أفراد المجتمع لممارسة هذا الدور بشكل تطوعي كامل، أو نصف تطوعي عندما يتلقى مقابلاً رمزياً يستعين به في حياته، وحتى يتمكن من الاستمرار في أداء وتنفيذ هذا الدور المهم لخدمة المجتمع، ويأتي في مقدمتها قيم الإيجابية، والمبادرة، والعملية، والإيثار بتقديم الهم والشأن والمصلحة العامة على الخاصة، والعمل بروح الفريق الجماعي، كما يمتلك قدراً من مهارات وأدوات العمل التنظيمي والإداري والقيادي، القدرة على إدارة ومواجهة الجماهير وتنفيذ رغباتهم في التقدم والازدهار ومعالجة المشاكل الحادثة والمتوقعة، وعليه من مقومات بناء الدولة إيجاد رجال دولة في العراق لديهم هذه المؤهلات.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق