من يقرأ شروط لينين للانضمام الى (الأممية الثالثة) سيدرك ان الأنظمة الشيوعية التي قامت فيما بعد، لابد من ان تكون شمولية، لينين أراد من الاحزاب التي ستعمل على الإمساك بالسلطة واقامة الأنظمة الشيوعية في بلدانها، الالتزام بتلك التعليمات او الشروط .. احزاب اشتراكية كثيرة حضرت مؤتمر (الأممية الثالثة) الذي شهدته موسكو في شباط من العام 1919 وباتت احزابا شيوعية يضبط ايقاعها مركز واحد (الكومنترون) او الشيوعية الدولية.

لقد كان من بين ما جاء في الشروط ان تكون الثقافة والإعلام في خدمة المشروع، وان يقف عليها عقائديون اثبتوا اخلاصهم للثورة البروليتارية.. وانقل هنا الخلاصة لا النص ... الشيء الذي لم ينتبه اليه اغلب العقائديين التقليديين من ابناء تلك الاحزاب هو ان تلك الشروط جاءت في سياق التحوّل الذي لم يكتمل وقتذاك في روسيا التي واجهت ظروفا قاسية وتحديات حقيقية.. وقبل ان يثبّت النظام الجديد اقدامه رحل لينين في العام 1925 وظلت وصاياه مقدسة في نظر خلفائه وبقي الصوت الواحد يطوّح في جميع ميادين الحياة، فخلق حالة من السأم لدى الكثيرين، ووصف ذلك بالجمود العقائدي.

ولو ان لينين عاش اطول لكان قد غيّر في الكثير الذي فرضته مرحلة الحسم الثوري وضروراتها... المؤكد ان رؤية لينين التي اكتست بطابع عقائدي لم تكن غير مسبوقة او ملحوقة من قبل آخرين، ربما لم يقرؤوا شيئا للينين ولم يسمعوا بالأممية الثالثة. فالكثير من المؤسسات الثقافية والاعلامية التي مرت بلدانها بظروف تستدعي الحشد الجماهيري للتصدي لمخاطر معينة، كعدوان خارجي او فتن داخلية او مشاريع مريبة، كانت متطابقة مع رؤية لينين في مسألة توظيف الاعلام والثقافة وغيرها للدفاع عن البلاد، اي ان جوهر الامر يبقى واحدا، ما يعني ان دفاع الناس عن مصالحها في اية بقعة من الارض مسألة غريزية ولا تحتاج الى عقيدة لتحفيزها.

ومن هذه الحقائق نجد ان البعد (العقائدي) متحقق فعلا والى اليوم في وسائل الاعلام الاميركية والروسية والبريطانية والصينية والفرنسية والالمانية واليابانية وغيرها، لاسيما حين تتصدى لأمر ما فيه مصلحة لبلدانها، وان تخفت طروحاتها وراء استار ليبرالية مهلهلة، ونقصد بإعطاء الآخر المختلف مساحة معينة للتعبير عن اختلافه. لكن في سياق القراءة الكلية التي تتبناها وتسعى لفرضها وسائل الاعلام تلك.

العقائد نفسها لم تأت لتكون مجرد شعارات بل لكي تترجم لمصالح تنتفع منها الناس وتحقق سعادتها المشتركة، او هذا ما تقوله الشعارات نفسها .. وعندما يكون الاختلاف داخل المشغل الوطني الواحد يكون اختلافا، وان تعدى ذلك بات خلافا، وقد يضع صاحبه امام استحقاق اخلاقي وربما قانوني.

في عراق ما بعد 2003 تداخل الخلاف بالإختلاف وسوّق عبر وسائل الاعلام بخبث، فمن يريد العراق بلدا حرّا موحدا لكل ابنائه يصطدم بإسم الاختلاف بمن يسعى لتفكيكه او بيعه بإسلوب مقنّع، وباتت هذه المسألة الحساسة مجرد وجهة نظر داخل مشغل اعلامي يفترض ان يكون وطنيا، لكن ما نسمعه ونراه ونقرأه في الكثير من وسائل اعلامنا وحتى ثقافتنا يدعونا الى اعادة النظر ببعض المفاهيم، لان البعض لايفرّق بين بيع طبّاخ مستهلك وبيع وطن بأكمله ...!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق