في المقال السابق الموسوم بـ(فكرة إدارة الدولة من المنظور الإسلامي) بينا أنه طالما أن هناك مجتمع إسلامي فمن المنطقي أن تكون هناك حكومة إسلامية، وإذا كانت هناك حكومة إسلامية فمن المنطقي أن تطبق القانون الإسلامي.

والعكس صحيح، فليس من المنطقي أن يكون هناك مجتمع إسلامي لا تحكمه حكومة إسلامية، أو حكومة إسلامية لا تطبق القانون الإسلامي، لأن مثل تلك المجتمعات لا تسمى مجتمعات إسلامية ولا قانونها قانون إسلامي، ولا حكومتها حكومة إسلامية. فالمسلم هو من يُدين بالإسلام ويطبق أحكامه، ولا يصح أن يكون المسلم مسلما، ولا يطبق أحكام الإسلام.

ولما تقدم؛ فان وجود الحكومة الإسلامية في المجتمع المسلم تكون ضرورية لتطبيق الشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي) الذي أمرنا الله أن نطبقه ونتعبد به، إذ به نتقرب إلى الله، ونحصل على رضاه، وندخل الجنة ونتجنب عقوباته والنار من جهة. وتكون الحكومة الإسلامية في المجتمع المسلم ضرورة لتربية الناس وتزكيتهم وإقامة العدل والإحسان فيما بينهم ليسود الخير ويندحر الشر... من جهة أخرى.

وقلنا إنه مع ذلك ليس كل حكومة تقوم باسم الدين هي حكومة إسلامية، وإن كان ذلك شعارها، وليس كل من يتقلد منصب رسمي؛ ويتحدث باسم الدين والإسلام هو يمثل الدين والإسلام، وإنما هناك شروط ذاتية وموضوعية لابد أن تتوفر في كل شخص يحكم باسم الإسلام، وكل جماعة تصنع حكومة إسلامية، وفي هذا المقال نتحدث عن الشرط الأول وهو العلم والعدالة.

إن الشرط الأول في الحكومة الإسلامية هو أن تتوافر في قيادة هذه الحكومة صفتان أساسيتان، وهما: العلم بالدين والعدالة، فإذا لم تتصف الحكومة بهاتين الصفتين فلا تصبح إسلامية، وإن توافرت فيها الشروط الأخرى.

والسؤال هنا ما معنى العلم بالدين؟ وما معنى العدالة المطلوبة في الحكومة الإسلامية؟

فيما يتعلق بصفة العلم بالدين؛ أي أن يكون الحاكم الإسلامي، بل كل من يشغل منصبا أو يقوم بوظيفة عامة في إطار الحكومة الإسلامية أن يكون عالما ومتفقها في الدين، أي في الأحكام الشرعية، أي في القانون الإسلامي، ليكون أو يكونوا قادرين على فهم القانون الإسلامي وتطبيقه.

فعلى سبيل المثال لا يستطيع الحاكم الرأسمالي أن يحكم باسم النظام الرأسمالي ويطبق فلسفته ما لم يكن عالما بمبادئ النظام الرأسمالي وقيمه. ولا يستطيع الحاكم الاشتراكي أن يحكم باسم النظام الاشتراكي ما لم يكن عالما بمبادئ النظام الاشتراكي.

وهكذا الأمر ينطبق تماما على من يحكم باسم النظام الإسلامي، فلابد أن يكون عالما بالنظام الإسلامي وأصوله ومبادئه وقيمه، وإلا سيحكم على وفق رؤيته ورغبته واجتهاده، كما حكم الكثير باسم الدين، ولكن ما كانوا يفهمون الدين، ولا كانوا يطبقونه. وظلت هذه الحكومات في ظاهرها حكومة إسلامية، وفي المضمون حكومة شخص مستبد أو أسرة مسيطرة تتولى الحكم باسم الإسلام.

وهذا ما يقرّه العقل أيضاً، لأن الحكومة الإسلامية هي حكومة قانون، لا حكومة أهواء أو تحكم الأشخاص بالشعوب. فلا يعتبر الحاكم كفؤاً لو لم تكن له دراية بالقانون. لأنه لو لجأ إلى التقليد، ضعفت حكومته، وإن لم يقلد، كان غير قادر على تطبيق القانون الإسلامي.

غاية ما في الأمر أن الحاكم الأعلى ينبغي أن يكون أكثر علما ومعرفة بأحكام الشريعة ويأتي من بعده من هو أدنى منه علما، وهكذا لابد أن تتوافر الحدود الدنيا من العلم بالقانون الإسلامي لكل من يشغل منصبا عموميا، ويؤدي خدمة عامة في الحكومة الإسلامية.

لأن وجود حاكم لا يعلم بالشريعة أو قليل العلم بها، أو وجود عدد قليل ممن يتولون إدارة البلاد باسم الإسلام لهم معرفة بالشريعة لا يكفي لتطبيق القانون الإسلامي، مالم تكون قيادة الحكومة كلها تعرف القانون الإسلامي، وعليه؛ فإسناد مهمة عمومية لأشخاص لا يعرفون القانون الإسلامي قد يكون ذلك مؤثرا سلبيا على تطبيق القانون، فمن لا يعرف القانون الإسلامي أو يحمل أفكارا بالضد منه فمن البديهي ألا يطبق القانون الإسلامي. وهذا يستوجب بالضرورة أن تسعى القيادة الإسلامية بل من واجبها أن تربي جيلا له معرفة بالقانون الإسلامي، وبفلسفة الإسلام وطريقة حكمه الناس.

ولكن هل يُشرط أن يكون من يشغل منصبا في الحكومة الإسلامية عالما بكل تفاصيل القانون الإسلامي بحيث لا يغيب عنه شيء؟

الجواب: كلا، إذا كان الحاكم الإسلامي أو القيادات الأدنى منه ينبغي أن يتمتعوا بصفة العلم التفصيلي بالشريعة الإسلامية لأنهم القيادة العليا في الحكومة الإسلامية، فلا ينبغي أن يتمتع كل من يشغل منصبا حكوميا بالعلم التفصيلي بل لابد أن يكون عارفا بالقانون الإسلامي في مجال عمله هو، وفي مجال اختصاصه هو، بحيث لا يؤدي عملا رسميا في الحكومة الإسلامية إلا ولديه معرفه أجمالية بموقف الشريعة. وهذا يتطلب من القيادات الإسلامية الحاكمة ألا تنصب أحدا بمنصب في الحكومة الإسلامية ما لم يكن على دراية ومعرفة جيدة في مجال اختصاصه.

فإذا أراد الحاكم في الحكومة الإسلامية أن ينصب شخصا بعنوان (وزير الزراعة) مثلا، فلابد أن يتمتع هذه الوزير بصفتين، الأولى يكون عارفا بالمنهج الإسلامي في الزراعة وتفاصيلها من جهة. وله اختصاص في الزراعة أي يحمل شهادة العلوم الزراعة من جهة ثانية. فان لم يكن عالما وعارفا بالمنهج الزراعي للإسلام، وكان يحمل شهادة العلوم الزراعية، فانه سينفذ برنامجا زراعيا بعيدا عن رؤية الإسلام، وإن كان عارفا بالمنهج الإسلامي ولم يكن من ذي الاختصاص سيفوته الكثير من العلوم الطبيعية المأخوذة من تجربة الزراعة الحديثة وسوف يفشل في أداء مهمته وزيرا للزراعة.

وإذا أراد الحاكم الإسلامي أن ينصب شخصا بعنوان (وزير التجارة) مثلا، فلابد أن يكون لهذا الوزير معرفة بالقانون التجاري الإسلامي، وله اختصاص ومعرفة بالقوانين والأنظمة التجارية الأخرى، وإلا سيفشل في أداء وظيفته، مرة أنه لم يطبق القانون التجاري الإسلامي لأنه لا يعرفه أصلا، ومرة لم يطبق القوانين التجارية الأخرى التي تنسجم مع رؤية الإسلام للمعاملات التجارية.

وأما معنى العدالة المطلوبة في قيادة الحكومة الإسلامية، فهي الاستقامة على جادة الشرع، أي أن تتوافر في الحاكم الإسلامي أو قيادة الحكومة الإسلامية القدرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح على وفق المنهج الإسلامي من دون تحيز أو ظلم يقع على أحد الناس، أو على مجموعة منهم، فان فعل الحاكم الإسلامي ذلك كان عادلا، وإن فعلت قيادة الحكومة الإسلامية كانت عادلة، وإلا كانت منحازة وظالمة.

بمعنى آخر؛ أن عدالة الحكومة الإسلامية تعني أن تقوم هذه الحكومة بحماية الحقوق وفرض الواجبات على الجميع من دون تهاون، ومن غير تمييز بين أحد وأحد، لا على أساس الدين، ولا على أساس المذهب، ولا على أساس اللون، ولا على أساس الجنس، ولا على أساس العرق، ولا على أساس الحزب، وعلى أساس العشيرة والقبيلة.

وبناء عليه؛ فالحاكم الإسلامي والحكومة الإسلامية محرم عليها أن تمارس الكذب والبهتان، سواء صدر ذلك عن الحاكم الإسلامي أو أحد القيادات الإسلامية، وسواء كان ذلك مباشرة أو بواسطة الوسائل الإعلامية مثل بث الدعايات والأكاذيب لغرض التعمية على الحقائق. ومحرم عليها الإسراف والتبذير، لأن أموال الدولة ملك للشعب كله، وهي مخولة من الشعب بالتصرف فيه بحدود مصالح الناس فان كانت الأموال تصرف في غير مصالح الناس كان ذلك محرم، وخرجت الحكومة عن صفة العدالة إلى صفة الظلم.

ومحرم على الحكومة الإسلامية أن تحابي أحد الناس أو مجموعة من الناس في الوظائف العامة أو الخاصة، وفي العطاءات والمقاولات، وفي سن القوانين والقرارات لمصلحة جهة على حساب جهة أخرى، لأن ذلك يخرجها عن حد العدالة إلى حد التحيز والمحاباة مما يفقدها شرعيتها المبنية على أساس العدالة بين الرعية.

والحقيقة أن الحاكم الإسلامي والحكومة الإسلامية كلما اتصفت بصفة العدالة وابتعدت عن صفة التحيز والظلم اكتسب الناس هذه الصفة وانتشرت بينهم وكل واحد منهم سيشعر بأهمية العدالة في تعامله مع الآخرين، لأنها حققت له ما يريده من حقوق وحريات وأمن في المجتمع. وإذا ما كان الحاكم الإسلامي أو الحكومة الإسلامية غير عادلة في تعاملها مع شعبها، وتفضل بعضهم على بعض، وتمنح الحقوق لبعض الناس وتحرم الآخرين منها، وتحاسب بعض الناس وترفع العصا عن بعضهم، فلا شك أن الناس سيشعرون أن حقوقهم مسلوبة، وأنهم لن يحصلون عليها إلا بالتحايل على القانون وإلا بالتمرد على القيم والمبادئ والأصول، وإن المحسوبية والمحاباة هي القانون الحاكم.

يقول السيد الشيرازي (إن الإنسان أو الملك أو الرئيس إذا ما كان مهذباً وصالحاً، فإنه سيؤثر على جميع من حوله ويجعلهم صالحين، وهم أيضاً تسري صحة عملهم إلى من هم أدنى مرتبة منهم، لعلكم قد ترون أن حاكماً عادلاً لو حكم بين الناس عشرين عاماً، لأوجد بلداً عادلاً، ولو ظهرت حكومة صالحة في منطقة ما، فإن الناس في تلك المنطقة سيصبحون صلحاء أيضاً؛ لأنهم يتبعون ما تقوم به تلك الحكومة).

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق