اولاً: التعريف بالمشكلة

ينطوي مفهوم الأمن على معاني عدة بحسب الخلفية التي ينطلق منها وطبيعة المسببات والاسباب التي ادت لتناول الموضوع، وبصوره عامة فأن الأمن هو السعي الى التحرر من التهديدات، وتقليديا فقد عرف اتباع المدرسة الواقعية في الفكر السياسي الأمن بوصفه "التحرر من أي تهديد عسكري من اجل بقاء وجود الدولة ضمن النظام الدولي الفوضوي".

كما ويمكن لأية امة ان تحافظ على امنها من خلال حماية مصالحها الوطنية، عبر صد العدوان الخارجي ورعاية المصالح الداخلية وترسيخ الأمن الوطني لذلك فإن الانسان ومنذ القدم او منذ النشأة الاولى صب اهتمامه بموضوع الأمن والحياة الكريمة، فالأمن هنا هو مطلب فطري تنشده الكائنات الحية، وهو يوازي ربما اهمية الغذاء فلا حياة بلا غذاء ولا حياة بلا أمن ومن هنا جاء قوله تعالى ((فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمكم من جوع وأمنهم من خوف)) وإقامة الحق والعدل بين الناس قاعدة أصيلة يقوم عليها الأمن والهدى والرشاد وفي نقيض ذلك او في مقابل الأمن هناك الخوف والجوع وبالتالي عند توفر الأمن تتوافر مقومات بناء الانسان الصالح والدولة المستقرة التي تحافظ على شعوبها داخلياَ وخارجياَ[1].

اما من الناحية اللغوية: فالأمن هو الامانة والطمأنينة.. والأمن هو نقيض الخوف والامانة هي أمنت فأنا آمن، والامانة هي بالضد من الخيانة، اما من الناحية الاصطلاحية: يمكن تعريفه بأن الأمن شعور برضا نفسي ناتج من جراء سيادة القانون ووجود الحق عبر ضمان توفره للأفراد في المجتمع عبر حرية الرأي والتفكير ورعاية الكرامة الانسانية وتساوي الفرص ما بين الافراد، وعندها يشعر الجميع بالاطمئنان وزوال الاخطار، وبصورة عامة يمكن اعطاء انواع عدة للأمن ومنها التالي:

اولا: أمن الدولة العام: يصب هذا المصطلح على مفهوم مجمل الاجراءات التي من شأنها تعزيز وحماية النظام الفكري والاقتصادي اللذان يعتبران ضمان لقيام الدولة المستقلة، التي تتمكن من حماية النظام العام.

ثانياَ: الأمن الاقتصادي: يقصد به مجموعة الخطوات والمعالجات والاجراءات التي تقوم بها الدولة في سبيل تعزيز القدرة المالية المستقلة، التي تتأتى من الصناعة المتطورة والتجارة الجيدة والزراعة الرافدة ويسبقها قيام الدولة بالحفاظ على نظام مالي متطور وزيادة رقعة الاستثمار الواعد ورفد المؤسسات بالتقنيات الحديثة والمعلومات الحديثة.

ثالثاً: الأمن الغذائي: يقصد به جميع الاجراءات التي من شأنها تعزيز قدرة الدولة في توفير احتياجات المجتمع من الغذاء الكافي، ويشمل الامر كافة الظروف التي من الممكن ان تعصف بالدولة التي يتحتم ان تكون بأهبة الاستعداد لتوفير الغذاء في الازمات المختلفة.

رابعاً: الأمن الاجتماعي: هو كل ما تقوم به الدولة من أجل وضع الخطط والاجراءات اللازمة لأجل تأمين حماية الناس والمجتمع بكافة افراده، وتوظيف كافة الامكانيات لاستثمار الطاقات الشابة وتوظيفهم وحمايتهم ومنع الاقتتال والحرب والفساد [2].

وفقاً للمفهوم اعلاه فان العراق دائماً ما كان عرضة لعدم الاستقرار الأمني بحسب المعطيات التاريخية او الواقعية ربما باستثناء مراحل حكم قصيرة جداً وهي غير مسلمة يمتدحها البعض ويذمها البعض الاخر، وما يهمنا هنا مرحلة ما بعد عام 2003 اذ أن سقوط نظام صدام حسين والتغيير الجذري بمختلف المستويات السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ادت جميعها التي انهيار المنظومة الأمنية التي هي بالأساس كانت مبنية على أسس خاطئة في ظل نظام البعث وبالتالي جرى استغلال الفراغ الأمني وغياب اجهزة الدولة الرسمية، ظهرت جماعات عنف ابتداءً من القاعدة وصولاً لتنظيم داعش الإرهابي، وبين المرحلتين احداث دامية اغتيالات حرب طائفية سيارات مفخخة عنف سياسي وهجمات ارهابية وعنف مجتمعي ومواجهات مسلحة اضافة الى عصابات الجريمة، ناهيك عن انتشار الفساد الأمني وزيادة الخروق والاختراق، هذه الاعمال ادت بقرابة المليون ضحية منذ عام 2003، وبالرغم من انخفاض اعمال العنف في اعقاب استعادة سيطرة الحكومة على مختلف مناطق العراق في اعقاب طرد تنظيم داعش الارهابي، الا ان ذلك لم ينه العنف بصورة تامة بل ان الوضع مهدد بأية لحظة ما زالت الاسباب هي ذاتها قائمة، لذلك فان المشكلة الأمنية في العراق متجذرة ومتشعبة وذات ابعاد سياسية مرتبطة بطبيعة الاستقرار الداخلي والمؤثرات الخارجية.

ثانياً: اسباب المشكلة الأمنية

للمشكلة الأمنية في العراق جملة من الاسباب ويمكن تلخيصها بالأمور التالية:

1- طبيعة التغيير السياسي عام 2003: بعد الغزو الامريكي والاطاحة بنظام صدام حسين والشروع بعملية سياسية جديدة ومحاولة للدخول في التحول الديمقراطي ظهرت مشاكل كبيرة كان اولها تحدي ازالة تركة البعث وما خلفه طيلة الـ40 عاماً في ظل نظام دكتاتوري قمعي، الا ان اولى القرارات بحل الجيش السابق اتاحت فرصة للهويات الفرعية وظهور الجماعات المسلحة التي استغلت غياب الدولة بأن تحل محلها وهو ما نتج من فوضى كبيرة في مجمل مفاصل الدولة وحتى بناء الجيش الجديد كان على عجلة مما ولد صعوبات في ترصين هذا البناء والتي لازالت اثاره قائمة.

2- المحاصصة: يعتبر النظام البرلماني من ارقى الانظمة المعمول بها عالمياً الا ان تجربته بالعراق شابها الكثير والسبب يكمن في حداثة التجربة والبناء غير الصحيح حتى وان عزاها البعض لطبيعة المجتمع العراقي وتكوينه العرقي والطائفي والقومي والمذهبي الا ان الامر ليس مبررا ان تتحول العملية السياسي الى حصص تقسم على اسس الطائفة والقومية والمذهب وغياب الكفاءة في تلك المسميات، وهو مؤشر سلبي ولد اثاراً عميقة على رأسها الفساد في مختلف مفاصل الدولة، والاخطر ما في الامر شمول المؤسسة العسكرية والمناصب ذات الاهمية بتلك المحاصصة وهو موضوع يشكل خطورة على أمن الدولة بصورة عامة وذات نتائج عكسية وربما سقوط مدينة الموصل ومحافظات اخرى بيد تنظيم داعش الارهابي كان احدى مسبباته المحاصصة والفساد في بعض المفاصل العسكرية والأمنية.

3- ضعف الجهد الاستخباري: بالرغم من وجود اكثر من مليون منتسب امني بشتى الصنوف ووجود قوات نخبة وقوة ضاربة وتدخل سريع اضافة الى هيئة الحشد الشعبي والتي تمرست قواتها على مكافحة الارهاب، الا ان الخروق الأمنية لاتزال قائمة وذلك لضعف العامل الاستخباري وهو مؤشر منذ البدء بتشكيل القوات الأمنية وحتى اليوم، المشكلة ان الخطط التقليدية ليست ناجحة بما ان العدو ليس تقليدي فالكثرة بالعدد او التسليح الخاطئ او ضعف التعامل مع المعلومة أدت بمشاكل امنية شاسعة، فالجهد الاستخباري هو اساس العمل الأمني مع تطور وسائل وادوات العدو والجماعات المسلحة والارهابية وعصابات الجريمة ينبغي ان يقابلها تطور فني استخباري معلوماتي شاسع وكشف العمليات قبل تنفيذها والوصول للجناة بأسرع وقت ممكن.

4- الجماعات المسلحة: تتنوع الجماعات المسلحة في العراق وهي كثيرة ومتشعبة وبعض الاحيان يصعب التفريق بينهم، ولسنا هنا بصدد تصنيفها فالجماعات الارهابية معروفة التوجه والاهداف وهي من ضمن اولويات الحكومة والقوات الأمنية في محاربتها والتخلص منها، الاصعب ما في ذلك وجود جماعات مسلحة خارج اطار القانون وكثيراَ منها تتبع لجهات وحركات سياسية وتحتمي تحت مسميات عدة وبعضها اخذ ينحرف عن الهدف المعلن لها وتورطت بأعمال عنف منها سياسية واقتصادية بل واصبح لبعضها تمثل نيابي وحكومي، هذه الجماعات وتحت اية مسمى تشكل خطراً كبيراً على الأمن والسلم المجتمعي وحتى على الاستقرار السياسي وهي احدى اهم المشاكل الأمنية التي واجهتها الحكومات المتعاقبة.

5- سلاح العشائر: العشيرة هي ركن من اركان المجتمع وتتمتع بعادات وتقاليد متوارثة وهي من اهم البنى الاجتماعية وركيزة اساسية في المجتمع العراقي ولها ادوار كثيرة سواء في مقاومة الاستعمار في مراحله المتعاقبة او مقارعة الحكومات الظالمة او تحقيق التكافل الاجتماعي او حل المشاكل بين الافراد، الا ان خطورة الموضوع تكمن في التناقض بين العشيرة والدولة عندما تقوي الدولة تضعف العشيرة والعكس صحيح او عندما تستغل الدولة العشيرة لبسط نفوذها، وهنا لابد ان تقدم تنازلات للعشيرة لاسيما المال والسلاح والنفوذ وبالتالي قانون العشائر يفوق الدولة، اما بعد 2003 فقد ازدادت قوة العشائر سياسياً وعسكرياً ومجتمعياً وثقافياً واصبحت مشكلة النزاعات العشائرية احدى اهم التحديات الأمنية وتذهب مئات الضحايا سنوياً من جراء تلك المنازعات فضلاً عن تهديد مؤسسات الدولة او الشركات وهذا الامر يؤدي لخسار اقتصادية وتراجع أمني وخرق ثقافي وتشير بعض التقارير الى ان بعض العشائر تمتلك اسلحة ثقيلة ومتوسطة وربما مقاربة لأسلحة اجهزة الدولة الأمنية.

ثالثاً: حلول وتوصيات

بعد عرض المشكلة ومسبباتها لابد من ايجاد حلول وتوصيات لصانع القرار لمواجهة مخاطرها وامكانية وضع الخطط والسياسات الممكنة لحلها ومنها التالي:

1- تفعيل الجهد الاستخباري وأمن المعلومات: تتمحور مشاكل الجهد الاستخباري في العراق حول مجموعة من العناصر، في طليعتها نقص التدريب، ضعف آليات تجنيد العناصر، ضعف التجهيزات، ونقترح في هذا السياق أن يتم تأسيس أكاديمية موحدة للاستخبارات، يتم رفدها بالخبرات الاستخبارية المحلية من مختلف اجهزة الاستخبارات، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرات الدولية، وأن تكون المحصلة النهائية في سلك التطوير المعرفي الاستخباري، تساند وتقوي نشاط اكاديميات التدريب في كل صنف، وواقع انضمام العناصر من الاجهزة الاستخبارية المختلفة في أكاديمية واحدة وصف واحد سوف يسهل العمل الاستخباري بدرجة كبيرة، فبالإضافة إلى الخلاصات العلمية المكثفة والموحدة التي سيعمل وفقا لها المنتسبون، فإن التعاون بين الاجهزة الاستخبارية سيكون أسهل بوجود العامل الانساني الشخصي المرتكز على دراسة الجميع في أكاديمية عليا واحدة على الرغم من اختلاف الاجهزة الاستخبارية.

2- إبعاد الاجهزة الأمنية عن المحاصصة: في ظل العملية السياسية الحالية وطبيعة التكوين اصبحت واقع حال صعب المعالجة الانية وتحتاج لإرادة الجميع وهي صعبة في ظل المعطيات والمؤشرات الموجودة، لذلك على تلك الاطراف الحكومية ان تتفق على ابعاد كافة الاجهزة الأمنية والحشد الشعبي عن المحاصصة السياسية والطائفية لحساسية الموقف لكون تلك الاجهزة تتعامل مع ارواح الناس ومقدرات البلد والأمن العام للدولة والأمن القومي، على ان يتم اسناد المسؤوليات بحسب كفاءة وخبرة القادة الأمنيين واعادة النظر بمجمل الخطط العسكرية والأمنية والاستعانة بالخبرات وان تعمل وفق الانظمة الحديثة وتدريب وتسليح تلك الاجهزة بأعلى المستويات.

3- دمج الفصائل المسلحة والمجاميع خارج اطار الدولة ضمن الاجهزة الأمنية بشرط اعادة تأهيلهم ومنع استخدام الهويات الفرعية عدا هوية الانتماء للوطن في مقابل ذلك يجري محاسبة المجاميع التي ترفض الاندماج واعتبارهم يقفون بالضد من الدولة ومعاملتهم كخارجين عن القانون، وهي خطوة مهمة لفرز تلك العناصر وضمان سيادة الدولة

4- ضبط سلاح العشائر ومصادرته وتفعيل محاسبة الدكة العشائرية او مطلقي العيارات واعادة الخدمة العسكرية الاجبارية في سبيل استيعاب أكبر قدر من الشباب تحت خدمة العلم لتقوية الاواصر الوطنية واذابة الهويات الفرعية.

5- منع التدخل الخارجي وحل المشاكل مع الاقليم: في كثير من الاحيان تلجأ دول الجوار او غيرها للتدخل بالشؤون الداخلية ولاسيما الأمنية منها وهو امر يضر بالسيادة ويزعزع العامل السياسي والأمني عبر دعم جهات على حساب جهات اخرى وهو امر لابد من معالجته، كذلك هناك مشاكل أمنية عالقة بين المركز والاقليم لاسيما ما يتعلق بالمادة 140 وحدود الانتشار وهو من المواضيع التي تثير المخاوف الأمنية وتكون عرضة للإنفجار بأية لحظة، لذلك لابد من الاحتكام للدستور والتوافق السياسي لإنهاء هذا الملف.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

.................................
[1] ينظر: كامل محمد الخزرجي، النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة، (عمان: دار المجدلاوي للنشر والتوزيع،2004).
[2] ينظر: محمد شبلي، المنهجية في التحليل السياسي، الجزائر: دار هومة للنشر، 2002.

اضف تعليق