الذي لا يكون بمقدوره اعادة التيار الكهربائي بعد مضي ما يقرب العقدين من الزمن، لن يستطيع بناء دولة وارساء نظام ديمقراطي سليم، وأقول لكم: (اغسلوا أيديكم منهم بسبع صابونات). لقد أهدرت الثروات وبُعثرت الطاقات لكن لوعة العراقيين متواصلة، ولا أظن لها توقفا حتى لو مُنح من يقود دفة السفينة المزيد من العقود، لأنهم بالمختصر المفيد فاشلون، ويفتقدون للروح الوطنية المعززة بالمعرفة السياسية، لذلك فشلوا في تجاوز عقبات حالت دون اعادة الخدمات وارساء الاستقراء وبناء دولة على أسس متينة.

مواطن الخلل معروفة للداني والقاصي، وآليات الاصلاح ليست بخافية على أحد، وفي مقدمتهم من يعدون أنفسهم قادة، ويستعرضون أفكارهم الانشائية والوعود المغلفة ببريق الأماني أمام الحشود، فلا هم حققوا ما وعدوا به، ولا تركوا الفرصة لغيرهم للعمل، فصارت استعراضاتهم مثار تندر مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الذي قاموا بمنتجة وعود رؤساء الحكومات ومن كلفوا بإدارة ملف الكهرباء على مدى السنين الماضية، واستهلوا منشورهم بمقولة الشهرستاني الشهيرة: بأن العراق سيصدر في عام 2013 الكهرباء لدول الجوار بعد أن يحقق فائضا. ويجهلون بأن لا أخطر على صورة الانسان في أذهان الناس من أن يعد ولا يفي. وبعد الفشل انزوا في ركن خفي، ولم تعد تسمع لهم صوتا، ولم يصارحوا الناس بحقيقة العقبات التي تعترض اصلاح الكهرباء التي صارت معيارا يُقاس بها تقدم الدول.

وظل الكل يعزف على نغمة الفساد، ومن هم الفاسدون؟، المنظومة برمتها فاسدة والاستثناءات محدودة جدا، وجميع عنصر فيها يعرف حق المعرفة الفاسدين وبالأسماء، كما تعرف الأجهزة الأمنية وبالدليل القاطع من يقتل الناشطين، ولكن من يتجرأ على التصريح بأسمائهم، فذلك يعني ادراجه في القائمة أيضا.

عندما يخاف المسؤول من الذي أدنى منه في المؤسسة لا تظن ان للبلاد ارتقاء وللناس راحة، لماذا لأن الأدنى يستند الى ظهر قوي، بمقدوره تخليصه حتى ولو كان حبل المشنقة قد التف على عنقه، ولذا لا يعير هذا الموظف للما فوق اهتماما او احتراما، وما ينطبق على الصغار ينطبق على الكبار أيضا، فلو كان رئيس الحكومة قاسيا في اجراءاته ازاء التقصير الذي يقع لما فلتت الامور ووصلت الى ما هي عليه.

روى لي أحد الأصدقاء الذي غادر منصبه الرفيع في أحد الوزارات لينتقل الى دائرة لم تر الضوء الاعلامي منذ تأسست، هربا من متنفذين في وزارته بعضهم لا يحمل أي مؤهل، لكن لا أحد يستطيع القول لهم على (عيونكم حاجب)، وعندما شرح واقع الحال للسيد الوزير انتفض ووعده بايقافهم عند حدهم، لكن ما قيل ذهب أدراج الرياح، كيف لهؤلاء أن يكونوا بقوة الوزير؟، فتصوروا هشاشة مؤسساتنا، بل قل ان النظام السياسي برمته هش، بدلالة فتح أبوابه على مصاريعها لكل من يريد دخوله، حتى وان كان لا يعرف من السياسية تعريفها.

فالديمقراطية لا تعني السماح للأفراد بدخول العمل السياسي بطريقة كيفية ليكون عضوا في البرلمان ومرشحا لوزارة، واذا كان حظه وافرا قد يكون رئيسا للحكومة، ويظلُ يتخبط ويداري مشاعر الأحزاب التي رشحته، ولا يتجرأ أن يُغضب من قطع الماء على أبناء بلده. ان جل ما يشغله السؤال الآتي: وماذا بعد السنوات الأربع، وهذه واحدة من مكامن الخلل في العملية السياسية التي قرأت الديمقراطية بالتهجي.

في بعض التجارب الديمقراطية لا يسمح بالترشح للبرلمان مالم يقدم المرشح قائمة بأسماء مواطنين يزكوه، وقد تصل هذه القائمة لآلاف الأشخاص، تصوروا كيف سيكون عليه الحال لو كان من شروط الترشح لبرلماننا أن يجمع المرشح مزكيين بحدود ربع عدد العتبة الانتخابية المعتمدة، ومعززة ببطاقات الهوية الشخصية. أظن ان هذا الأجراء سيغلق أبواب العملية السياسية أمام الطارئين الذين ابتلانا الله بهم كما ابتلانا بغيرهم فيما مضى من العمر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق