ما زالت قاطرة الانتخابات في البلدان النامية ومنها العديد من البلدان العربية والإسلامية تثير شكوكاً وعدم ثقة في وصولها إلى المحطة المقصودة، ولذلك تتعرض إلى النقد والاتهام بالتزوير أو التلاعب بالنتائج أحياناً، خصوصاً إذا كانت بعض نتائجها معروفة سلفاً، وهو ما زاد قناعة المواطنين بعدم جدواها طالما يُعاد تدوير الزوايا، فهل يعني هذا تراجع خيار الانتخابات كإحدى آليات التمثيل الديمقراطي؟ وهو ما طالبت به حركة الاحتجاج في ما يسمى «الربيع العربي» الذي أُغرق باحترابات ونزاعات وفوضى وفقد طابعه السلمي المدني، خصوصاً في ظل احتدام الصراع العنفي والتداخل الخارجي الدولي والإقليمي.

وستكون التجارب الانتخابية المشوّهة والاستقواء على الدولة والتغوّل عليها عاملاً سلبياً في إقناع الناس بالخيار الانتخابي، وقد يدير الجمهور ظهره للزائر الثقيل والضيف الحزين، وهو ما يعطل عملية التحول الديمقراطي التي تحتاج إلى تراكم وتطور طويل الأمد كيما تتحقق الشروط الموضوعية والذاتية للانتخابات الحرة والنزيهة. وربما تحتاج العملية في مجتمعاتنا إلى عقدين أو ثلاثة من الزمان مع توافر ظروف دولية وإقليمية مساعدة.

في الدول المتقدّمة يكون موسم الانتخابات فرصة للمراجعة والنقد والمباراة بين البرامج والأهداف ومحاولة لاستعراض الأفكار والآراء والخطط المستقبلية لما يهمّ الناس ورفاههم وصحتهم وتعليمهم وعموم الخدمات الضرورية الواجبة، في حين ما يزال يتّخذ الشحن الديني والتمترس الطائفي والتخندق الإثني والجهوي والمناطقي مكاناً أساسياً في التوجهات الانتخابية في مجتمعاتنا. ويصبح الحديث عن التداوليّة والانتخابات مجرد شعارات مُفرغة من محتواها أو يتم تسويفها بحيث تصبح عناوين بلا مضامين.

إن الانتخابات وحدها ليست الفيصل في الشرعية، ولن تكون في أيّ يوم من الأيام، إنْ لم تقترن بطائفة من التدابير والإجراءات، التي تتطلب وجود مؤسسات وفضاء عام يساهم فيه الفرد بفاعلية في اختيار من يمثّله ويستبدله كلّما شعر أنه لم يعد يعبّر عنه أو يمثّل مصالحه، فضلاً عن إعمال حكم القانون وقضاء مستقل ورقابة ومساءلة ودور للمجتمع المدني.

ولكن ماذا لو لم تتوفّر كل هذه الشروط أو الجزء الأساسي منها؟ فهل ستتم الدعوة للإقلاع عن الانتخابات أو تأجيلها لحين استكمال تلك الشروط؟ وهي لن تكتمل دفعة واحدة، أو تأجيل اللجوء إليها بزعم عدم الاستعداد لإجرائها، لوجود عقبات وعراقيل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تقف حائلاً أمامها كوسيلة لاختيار الحكّام، الأمر الذي يتطلّب الانتظار أو عدم التسرّع للسير في هذا الاتجاه.

وحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السرّي وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب إجراء مماثل يتضمن حرية التصويت. وسيكون من واجب الفرد، مهما كانت الثغرات والمثالب التي تتضمنها الانتخابات المساهمة فيها بالتصويت على الدستور وعلى القوانين الأساسية وفي اختيار من يمثّله أو يعبّر عن مصالحه ولو بحدّها الأدنى، وذلك يتطلّب بالتدريج والتراكم والممارسة إيجاد آليات ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق والحرّيات، وهو ما يذهب إليه جون رولز الفيلسوف الأمريكي في كتابه «الديمقراطية التداولية» «Delibrative Democracy» حين أكّد أهمية التعليم وتعميمه والتربية على مبادئ الديمقراطية وتداولية السلطة في ظل مؤسسات ومعرفة عامة ورغبة لدى الفرد للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو الأمر الذي يخلق لديه ما يسميه «حسّ العدالة» ويمنحه القدرة على قبول الاختلاف والتنوّع والتعددية.

يعتبر العام 2021 موسماً خصباً للانتخابات العربية، على الرغم من تأجيلها في فلسطين، فقد أجريت في الجزائر/ يونيو، وستجرى في العراق/ أكتوبر، وليبيا/ ديسمبر، فهل ستشهد مشاركة واسعة؟ وهل ستتمكن المؤسسات القائمة على حماية الحقوق والحريات بشفافية؟ وهل سيكون الفضاء العام مساعداً في تجاوز الاصطفافات المسبقة ما دون الدولة أم أن هناك الكثير من القيود لا تزال تشدّ المجتمعات العربية إلى الماضي مثل الطائفية والإثنية والعشائرية وغيرها؟

ويتطلّب ذلك وقفة نقدية أمام ما يستلزم إجراء انتخابات في إطار المعايير الدولية، إضافة إلى اختيار النظام الانتخابي المناسب، وسد النقص الفادح في ثقافة الانتخابات والثقافة الحقوقية، وهو ما يلقي مسؤوليات كبيرة على النخب الفكرية والسياسية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى بحاجة إلى توعية في إطار رفع درجة الوعي ونشر الثقافة الحقوقية وتعميمها، فضلاً عن الاستفادة من التجربة الخاصة وتراكمها وتطوّرها التدريجي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق