من خزين الطرائف العراقية، حكاية سمعتها صغيرا وما زال الناس يرددون نهايتها كمثل يضرب.. «تهيد تهيد ويشعلها الأحيمر» اما الحكاية فمعروفة!

أغلب الذين ركبوا العملية السياسية، سواء في بدايتها او في وسطها او نهايتها، لهم تحفظات على الدستور، والكل يتحدث اليوم عن ضرورة تعديله، بل تغييره، لانه وحسب قولهم، مفخخ وكتب في ظروف غير طبيعية، لكن كل جهة ترى في بعض فقرات الدستور مصلحة لها تتمسك بها وتتحدث عن ضرورة الالتزام بها!.

قبل ايام تابعت لقاء مع أحد نواب الانبار وقد تحدث عن استعدادهم لاقامة اقليم الانبار، نعم اقليم الانبار، ما يعني فتح الطريق امام اقليم البصرة وصلاح الدين وكركوك وهكذا، حتى يصبح الاسم الجديد للعراق «الجمهوريات العراقية المتحدة» وهذا الاسم سيكون اشبه باسم «رابطة الدول المستقلة»، الذي اعقب انهيار الاتحاد السوفييتي قبل ان يذهب كل بلد الى سبيله، وهو ما حصل.. لا ندري ما الذي يلجأ اهل الانبار الى اقامة اقليم بدلا من المطالبة بصلاحيات لا مركزية اوسع لمحافظتهم، مع اننا نرى ان ما تتمتع به المحافظات الان من صلاحيات، يجعلها قادرة على النهوض بمهامها في خدمة الناس لولا الفساد، واذا جاءت صلاحيات اخرى فهذا افضل بالتأكيد وهو ما نتمنى تحققه.

اقليم الانبار او البصرة يعني ومن دون مواربة، الانفصال عن العراق، لأنه سيكون هناك رئيس ورئيس وزراء وبرلمان ووزراء وعلم ودستور خاص وحرس اقليم، اضافة الى السيطرة على الموارد وغيرها من الصلاحيات التي تجعل بقاء المحافظة ضمن الدولة العراقية اكذوبة، وهو ما عمل عليه الذين وضعوا فقرات الدستور الرئيسة ليجعلوا تقسيم العراق لاحقا، تحصيل حاصل.

لم يحصل التقسيم باسم الفيدرالية في العام 2007 كما كان مخططا له، لان هناك ارادة داخلية وربما خارجية ايضا رافضة، فتأجل التنفيذ من دون ان يلغى لانه «حق دستوري» كما يحلو للبعض تسميته، وهو اليوم يستعمل كورقة ضغط، لكنه يعكس تطلعات البعض ممن استطاب لهم الحكم وليس لديهم القدرة على التخلي عنه، وفق مبدأ الامارة ولو على الحجارة، فكيف اذا كان الامر مع دويلة فيها الكثير من الثروات؟. ايها الناس اتقوا الله في العراق، فالناس من حولنا كل يوم تتوحد وتقوى ونحن نعمل على اضعاف انفسنا كل يوم!. السؤال الذي يطفو على السطح.. من هذا «الأحيمر» الذي يشعل هذه الفكرة بعد كل فترة هدوء بشأنها؟!.

يقول اليابانيون، في واحد من امثالهم: "من يقر بجهله، يظهره مرة واحدة، ومن يحاول اخفاءه يظهره مرات عدة." توقفت عند هذا المثل، لانه نابع عن تجربة، ليس في اليابان فقط، بل في كل مكان في العالم، فالانسان الذي يصمت عند الحديث عن امر لا يعرفه، يحترم عقله، والذي يتكلم بجهل، يهين عقله ونفسه معا.

قبل سنوات، او في المرحلة التي احتدم فيها النقاش بشان مستقبل العراق، وفيما اذا كان يبقى بلدا يدار بطريقة لامركزية او يقسم على شكل اقاليم، وفقا لما اقره دستور 2005، في تلك السنين ظهر على شاشة احدى الفضائيات، احد دعاة الفدرلة، وكان هذا متحمسا جدا، ويهدف الى جعل البصرة اقليما، وعمل على ذلك وفشل. قال هذا الشخص وهو يصف ميزات جعل المحافظة الواحدة اقليما بدلا من ثلاث محافظات او اكثر، كما كان يريد اخرون، ان تحول المحافظة الواحدة الى اقليم، يعني انه سيكون هناك رئيس اقليم ورئيس وزراء ومجلس وزراء ومجلس نواب وغيرها من المناصب الكثيرة الاخرى، بينما اذا اصبحت ثلاث محافظات او اكثر اقليما واحدا، فسيكون لجميع هذه المحافظات ما للمحافظة الواحدة من مناصب! والطريف انه عدّ هذا الامر حافزا لجعل كل محافظة اقليما بحد ذاته! وفي لقاء اخر معه، سئل الشخص نفسه، عن كيفية ارضاء الاحزاب الاخرى في المحافظة، اذا ما عارضت مشروعه، فقال ان المناصب كثيرة وستوزع عليها، أي انه يسترضيها بالمناصب. كان هذا قبل سنين، او قبل ان تخف المطالبة بتقسيم البلاد على شكل اقاليم.

وهذا الامر تكرر مع اخرين في محافظات اخرى، طالبوا بالاقليم، وكأنه الحل السحري الذي اكتشفوه، مؤكدين ان هذا حق دستوري ويجب ان يطبق. وللحقيقة التي لا يريد ان يعرفها هؤلاء وغيرهم، نقول، ان نظام الاقاليم اذا ما طبق، فان شيئا اسمه العراق سيختفي من الخارطة، وان البلاد ستدخل في فوضى ادارية واحتراب داخلي يبدأ ولا ينتهي، ليس فقط على الحدود التي ما زالت تمثل مشكلة بين بعض المحافظات، بل لان الصلاحيات الممنوحة في الدستور للاقاليم، اكبر واوسع من السلطة المركزية، لاسيما في مجال الثروات وغيرها من الحلقات الاساسية لبقاء الدولة وبنائها، ومنها مسالة النفط. فالمكتشف منه بعد العام 2003 يكون تحت تصرف سلطة الاقليم، وان قانونه يكون نافذا بعد شهرين من اقراره اذا لم يتفق بشأنه مع المركز، ناهيك عن حرس الاقليم وشرطته الخاصة وعلمه وغيرها من اشكال الانفصال، وهو ما يريده البعض ممن ينادون اليوم بالاقاليم، والذين هم من ابناء المدن الغنية، الطامحين الى وضع اليد على ثرواتها، والتصرف بها بعيدا عن مصلحة البلاد، أي الاستئثار بالثروات الوطنية، على حساب اخوانهم من ابناء الوطن في المدن الاخرى التي ليست فيها ثروات.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل هذا هو الحل الحقيقي لمشاكل البلاد، التي ابتليت بالفاسدين ممن بددوا ثرواتها طيلة السنوات الثمانية عشر الماضية، والتي يجزم الجميع ان ما صرف عليها كافيا لان يجعل منها مدنا اخرى؟ وهل تسليم ثروات البلاد، لاسيما النفط، في هذه الظروف التي تشهد فيها المنطقة واقعا قلقا سياسيا واقتصاديا وامنيا، للفاسدين والفاشلين ممن نهبوا الاموال وأساءوا الادارة، يمثل خروجا من الازمات التي تشهدها المحافظات، ام انه ازمة مضافة تعمل على صناعتها اياد خفية داخليا وخارجيا، لتحقيق اجندة لم تعد خافية، وتحديدا في البصرة التي ما انفكت المؤامرات تحاك ضدها وباشكال مختلفة!؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

المارق العراقي
العراق
انا شخصياً من مؤيدي فكرة الإقليم ولكن ليس اقليم المحافظه الواحده بل عدة محافظات ، مثلاً اؤيد وبشده اقليم الجنوب الذي يضم البصره وميسان و ذي قار والمثنى والديوانية ( التي قد تنتمي الى منطقة الوسط ) ولكن الأربع محافظات الاولى هي من مكونات اقليم الجنوب ولكن تحت علم الدوله الواحده العلم العراقي ولا اعتقد هناك خلل في هذا الموضوع ولا اعتقد من وضع الفقره في الدستور غافل عن أمور الاقلمه ، والسؤال لماذا سمح لإقليم كردستان ولم يسمح لإقليم عربستان ؟2021-07-07