مادام الناس قد تجمعوا في وحدات إدارية كبيرة، لعل أشهرها مصطلح (الدولة) فقد دعت الضرورة إلى وجود مجموعة من الناس يتولون تسيّس هذه الدولة وإدارة مؤسساتها بما تيسر لهم من سلطة وقوة ومال. ومن أهم واجبات من يتولون إدارة الدولة (السلطة العامة) هي حفظ الأمن والاستقرار، وتوفير الخدمات الأساسية، ومعالجة الأزمات والمشكلات المجتمعية.

والسؤال هنا هو ما مدى حاجتنا إلى سلطة عامة (حكومة) ذات طابع ديني، إسلامي وغير إسلامي، مازال دور هذا السلطة هو حفظ الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات، والذي يمكن أن يتحقق بوجود سلطة غير دينية؟ ثم إن تجارب الأنظمة السياسية والحكومات الإسلامية -منذ العصر الأول للإسلام وإلى الآن- لم تكن مثالا يمكن الركون إليها. فماعدا الحكومة الإسلامية الأولى التي قادها رسول الله (ص) وحكومة الإمام علي (ع) لا يمكن القول إن أمثلة (الحكومات الإسلامية) التي أقيمت هنا وهناك كانت تجربة ناجحة يمكن التأسيس عليها.

فعند مراجعة أولية لتأريخ (الحكومات الإسلامية) نجد أنها تحولت تدريجيا إلى حكومات دكتاتورية، وإلى إمبراطوريات، وإلى مماليك وإمارات يتناوب على عرشها الأبناء والأحفاد، واحد تلو الآخر، دون أن يراعوا النظام الإسلامي والقانون الإسلامي الذي كان سببا في حكم الناس ومسك زمام أمور البلاد إلا تلك الشكليات الإسلامية الضرورية اللازمة للمحافظة على الحكم. ليس هذا وحسب بل حتى التجارب الناجحة للحكومة الإسلامية لم تسلم من التعثر والتأخر، وكانت مدتها أقصر بكثير من تلك الحكومات التي حكمت الناس بغير القانون الإسلامي أو بالقانون الإسلامي الذي يفرضه الحاكم المستبد ونظامه.

وبناء عليه؛ يأتي السؤال المهم، وهو لماذا يدعو علماء الدين والشريعة إلى إقامة حكم إسلامي في البلاد الإسلامية مع أن مسؤوليات الحكومات هي حفظ النظام العام وتقديم الخدمات الأساسية أو تسهيل تقديمها، وهي مهمة يمكن أن يقوم بها مجموعة من الناس (أشخاص أو أحزاب، أو تكتلات سياسية) من دون أن يدعو إلى تطبيق القانون الإسلامية (الشريعة الإسلامية)؟ وعلى فرض أهمية وجود الحكومة الإسلامية لإدارة المجتمع المسلم على وفق القانون الإسلامي، فماهي الآليات الملائمة لوجود حكومة إسلامية تطبق القانون الإسلامي؟

للإجابة على هذه الأسئلة لابد أن نذكر أن الأديان السماوية جميعا تقوم على فكرة وجود الله الخالق لكل شيء في الوجود، ومن هذه الموجودات المخلوقة هو الإنسان. وأن الله عز وجل لم يخلق الإنسان لمجرد أن يخلقه، بل خلقه لغرض محدد هو عبادة الله وحده لا شريك له. ويسأل الإنسان ربه الذي خلقه يا رب خلقتني لعبادتك فكيف أعبدك؟ ويأتي جواب الله عز وجل يا أيها الناس قد بعثت لكم أنبياء ورسلا من أنفسكم، وأنزلت معهم الكتاب والحكمة، وهم من سيتولون كيفية تنظيم العلاقة بيني وبين عبادي، بل بين الناس أنفسهم، وبينهم وبين الطبيعة والمخلوقات الأخرى.

إن قواعد تنظيم العلاقات بين الله الخالق من جهة، وبين العباد فيما بينهم من جهة أخرى هي التي نطلق عليها مصطلح (الدين) أو مصطلح (الشريعة الإسلامية) أو مصطلح (القانون الإسلامي) فالدين أو الشريعة الإسلامية أو القانون الإسلامي هي مجموعة من القواعد الإلهية التي شرعها الله لنا، وأمرنا بتطبيقها من أجل هدايتنا إلى الطريق المستقيم.

حيث قال الله عز وجل (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْـمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ) ويرى الإمام الشيرازي (السعي لتطبيق الإسلام يجب أن يشمل جميع جوانب الإسلام، ولا يجوز تطبيق قوانين الحدود، مثلاً، وإهمال تعاليم الإسلام، في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها).

وعليه؛ فإن إقامة الدين أو إقامة الشريعة أو إقامة القانون الإسلامي تتحقق من خلال أمرين:

1. الأمر الأول هو شخصي ذاتي يتعلق بكل إنسان متدين، إذ من المفروض أن من يؤمن بالله عز وجل ويؤمن برسوله أن يطبق أوامره كالصلاة والصيام والحج وبر الوالدين والإحسان إلى الناس، وتقديم المساعدة للمحتاجين، وأن ينتهي عن نواهيه كالقتل والبغي والبهتان والسرقة والكذب وغيرها. وكل إنسان التزم بأوامر الله وانتهى عما نهى عنه يكون قد طبق الشريعة الإسلامي والقانون الإسلامي، وكل إنسان لم يلتزم بأوامر الله ونواهيه يكون قد خالف الشريعة الإسلامية والقانون الإسلامي.

2. الأمر الثاني هو عام مجتمعي يتعلق بمدى التزام المجتمع الإسلامي ممثلا في السلطة العامة والمؤسسات المجتمعية الأخرى من قبائل وعشائر ومنظمات ونقابات واتحادات وأحزاب سياسية وغيرها بالقانون الإسلامي. وتقوم الدولة ومؤسساتها العامة والمؤسسات المجتمعية الأخرى على أساس الاهتداء بالقانون الإسلامي وتعاليمه وتلتزم في أداء مسؤولياتها بما أمرنا الله به، فلا تحل ما حرم الله، ولا تحرم ما أحل الله.

وعليه؛ فطالما أن هناك مجتمع إسلامي فمن المنطقي أن تكون هناك حكومة إسلامية، وإذا كانت هناك حكومة إسلامية فمن المنطقي أن تطبق القانون الإسلامي، وليس من المنطقي أن يكون هناك مجتمع إسلامي لا تحكمه حكومة إسلامية، أو حكومة إسلامية لا تطبق القانون الإسلامي، فان مثل تلك المجتمعات لا تسمى مجتمعات إسلامية ولا قانونها قانون إسلامي، ولا حكومتها حكومة إسلامية. فالمسلم هو من يُدين بالإسلام ويطبق أحكامه، ولا يصح أن يكون المسلم مسلما، ولا يطبق أحكام الإسلام.

لذا يرى فقهاء الشريعة استنادا لقوله عز وجل (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أن هدف البعثة النبوية على نحو كلّي تنظيم وترتيب الناس على أساس العلاقة الاجتماعية العادلة، وأن تسير الإنسانية نحو الاستقامة والكمال، وهذا إنما يتحقّق من خلال تشكيل الحكومة وإجراء الأحكام… ولم يكلّف الرسول الأكرم ببيان هذه الأحكام للناس فقط، بل بإجرائها.. ومن ضمن الأحكام ما يتعلّق بالحقوق المالية، نظير الخمس والزكاة والخراج، ليصرفها في مصالح المسلمين، وينشر العدالة بين أفراد المجتمع الإسلامي، ويُجري الحدود ويحفظ الثغور ويدافع عن استقلال البلاد، ولا يدع أحداً يحيف بأموال الدولة الإسلامية..

ولما تقدم فان وجود الحكومة الإسلامية في المجتمع المسلم تكون ضرورية لتطبيق القانون الإسلامي الذي امرنا الله أن نطبقه ونتعبد به، لأن به نتقرب إلى الله، ونحصل على رضاه، وندخل الجنة ونتجنب عقوباته والنار من جهة. ومن جهة تكون الحكومة الإسلامية في المجتمع المسلم ضرورة لتربية الناس وتزكيتهم وإقامة العدل والإحسان فيما بينهم ليسود الخير وينحر الشر...

ولكن ليس كل حكومة تقوم باسم الدين هي حكومة إسلامية، وإن كان ذلك شعارها، وليس كل من يتقلد منصب رسمي ويتحدث باسم الدين والإسلام هو يمثل الدين والإسلام، وإنما هناك شروط ذاتية وموضوعية لابد أن تتوفر في كل شخص يحكم باسم الإسلام، وكل جماعة تصنع حكومة إسلامية منها ما يأتي:

1. إن تتوافر في قيادة الحكومة الإسلامية جميع الشروط الدينية اللازمة للحكم، وأهم تلك الشروط العلم بالشريعة الإسلامية، والعدالة. فاذا لم تتوافر تلك الشروط في الحاكم الإسلامي أو من ينوب عنه في حكم الناس فلا يصح له يتولى زمام قيادة الأمة الإسلامية باسم الإسلام والشريعة.

2. أن تكون قيادة الحكومة الإسلامية منتخبة من الشعب غير مفروضة عليه، بطريقة ما بسبب مبررات دينية أو اجتماعية أو سياسية. فاذا لم تكون منتخبة من الشعب فإنها ليست بحكومة إسلامية وإن حكمت باسم الإسلام، مثل كل الحكومات الإسلامية التي قامت بالقوة والسلاح، ولم تكن مختارة من الناس أنفسهم.

3. أن تكون سياسة الحكومة الإسلامية مبنية على قاعدة (الرحمة واللين واللاعنف) وأن تبتعد عن القوة المفرطة والاستبداد والدكتاتورية والتسلط، فان فعلت فإنها ليست بحكومة إسلامية، وإن كانت في الظاهر تحكم الناس باسم الإسلام.

4. أن تكون لديها قدرة على حفظ حقوق الناس وحرياتهم، وتأمين معاشهم، وتسهيل معاملاتهم، فان كانت عاجزة عن ذلك فليس لها أن تحكم باسم الإسلام، وليس لها أن تبرر حكمها بالاستناد إليه، لأن الإسلام يدعو إلى حفظ دماء الناس وأموالهم، وإعطاءهم الحقوق والحريات اللازمة للوصول إلى الرفاه والسعادة. لذلك فمن حق الشعب المسلم أن يعزل تلك الحكومة وإن كانت إسلامية، ويأتي بأخرى قادرة على توفير هذه الحقوق.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق