عام 2003 شكل نقطة تحول بالنسبة لبلد مثل العراق حرم الأحزاب الإسلامية من المشاركة بالعملية السياسية، والاندماج ضمن المنظومة الحكومية، فاكتفى النظام آنذاك باقتصار الحكم على حزب وحيد وعناصره بمختلف تسلسلهم الحزبي، مستخدما الاقصاء السبيل الوحيد للبقاء مسيطرا على زمام الحكم.

بعد تغيير النظام مباشرة أصبحنا نرى أنشطة سياسية لأحزاب ذات صبغة إسلامية، حيث بدت المؤتمرات السياسية والنشاطات التعريفية بأهداف هذه الجهات، وماذا تريد ان تحقق، بدت تنتشر بشكل غريب وتكاد تكون تعقد يوميا، يصاحب ذلك انبهار شعبي بالأفكار الجديدة الواردة من الخارج والتي جاءت معلبة جاهزة، حاولت تلك الأحزاب زرعها في ارض خصبة قابلة لإنبات جميع الأفكار الرديء منها والحسن.

من الطبيعي ان مجتمع مثل المجتمع العراقي الذي عاش بفترة انعزال شبه تام عن العالم المحيط به، ومحاولة النظام القائم تجهيله بشكل مستمر، ان يتلقف الأفكار الجديدة بروح مملوءة بالحماس والتقبل، وليس فقط التقبل بل التشرب لهذه الطروحات المُبهرة والتي كان يعتقد انها نابعة من اُناس همهم الأول والأخير هو انقاذ البلد.

فالجميع كان ينظر الى الطبقة القادمة من الخارج على انهم المثل الأعلى في كل شيء، وما يقولونه هو الصواب وغيره بعيدا عن الحقيقة، فتمتعت اقوالهم وافكارهم بمقبولية تامة، ولا يمكن لاحد ان يرفض فكرة طالما مقدمها يتكلم بنبرة مختلفة، ويخاطب الناس بأسلوب مغاير لما هو مألوف، وفي الحقيقة جميع الأفكار التي قُدمت تبدوا غريبة ومثيرة لكثير من التساؤلات بحكم ان المجتمع منغلقا على نفسه.

تسارعت ديناميكية الاحداث وتكاثرت الأحزاب الإسلامية المشاركة في عمليات صنع القرار السياسي، على الأصعدة المحلية والملفات الدولية، فلا يصدر أي قرار متعلق بالبلد والمواطنين، مالم يحظى بمباركة الأحزاب المذكورة، وكأن لها الوصاية التامة على جميع المكونات، فزادت نسبة التدخل بحياة المواطنين، دون مراعاة لمصالحهم الشخصية والعمل على تقدير احتياجاتهم.

ومن الأشياء التي استفادت منها الجهات الإسلامية السياسية، هي التوظيف الخاطئ لموضوعة الطائفية والمذهبية، فكل فريق أصبح يحشد ضد الفريق الآخر، الى درجة استخدام الشعارات الطائفية في الازمات واوقات الانتخابات، وكأنها البساط الذي يحملهم في الفضاء السياسي، والمنقذ الوحيد في اختلاف التضاريس السياسية.

ولم تهتد هذه الأحزاب الى طرح أفكار جديدة قادرة على هز قناعات الجمهور المستقرة عند قطاع واسع وكبير من الافراد، فبقيت تجتر الماضي بنكهة حديثة، ولم تعمل لتبني مشروع لإدارة الدولة بعيدا عن المحيط الضيق، (الطائفة)، وخلق الانسجام التام مع المكونات الأخرى، بشرط ان يكون هنالك توافق بالأفكار والرؤى لتسير شؤون البلد.

لنا في فشل تجربة الأحزاب الإسلامية السياسية امثلة كثيرة، لكن نكتفي بذكر تجربتي مصر والعراق، ففي مصر لم تنجح تجربة الأحزاب الإسلامية بشكل فضيع، ابان حكم حزب الاخوان المسلمين، وهنا الفشل مخطط له، وعملت على إسقاطه جهات دولية كبيرة واضحة للعيان لمن يود التعرف عليها.

اما في العراق فقد وقعت الأحزاب السياسية الإسلامية في شباك السلطة، ومن ثم كبلت ايديها بالقيود فلم تتمكن الخروج من المأزق الحتمي الذي منيت به، حتى أصابها اليأس وبقيت تدور في ذات المضمار دون البحث عن التجديد وبث الفكر النهضوي.

حصلت الأحزاب الإسلامية في العراق على فرص ذهبية وليس فرصة واحدة، لخلق مجد لها، ولتبقى شامخة على عروش الممالك السياسية، فهي من تحكم بالمال والسلطة طيلة السنوات الماضية، لكنها في المقابل لم تستطع من بلورة قاعدتها الاجتماعية، التي تعتبر الرصيد الحقيقي والدافع لها نحو المكوث طويلا في السلطة.

ونتيجة للفشل الذي لحق بها ذهبت لبناء جبال من الوهم وتخويف الجماهير، بأن القادم أسوأ وان عدم التمسك بها، سيكون عاملا من عوامل العودة الى الخلف، والفترة السوداوية عائدة لا محال، وبالنتيجة فان شريحة واسعة من المجتمع العراقي ممن ذاقت مرارة الحكم الصدامي، ستعمل وبكل طاقتها على درء ذلك الخطر ومنعه الاقتراب من كراسي السلطة.

السنوات الماضية اثبتت الأحزاب السياسية الإسلامية ان مشروعها السياسي غير مؤهل لقيادة الدولة وتدعيم أركانها، وليس لها الامكانية على تقديم البديل عن الأنظمة المدنية او المطالبة بالابتعاد عن الصبغة الإسلامية، اذ تميل معظم افكارها الى الشعارات غير المدعومة ببرامج عملية واضحة.

كل ذلك ساعد على فقدان الإسلاميين زمام الأمور في السيطرة على جمهورهم العريض، واسترداد حضورهم وزخمهم الذي تراجع بشكل كبير، والاهم من ذلك كله هو تهدم جدار الثقة بينهم وطبقات الشعب، فهذه الأحزاب نفد رأس مالها السياسي ولم تتزود بعد بالوقود الأيدلوجية الجديدة لاستمراريتها وعدم تخلفها عن الأحزاب ذات الأفكار المتجددة والتي تزحف نحو الهيمنة على الشارع.

اضف تعليق