أصعب مهمة أن تكون عربيا، وتكتب عن قومك، وتستشرف مستقبلهم بمقاييس العلم، أحوالهم وطباعهم ومزاجهم، لأن عليك أن تكتشف بطونهم قبل عقولهم، وغرائزهم قبل تطلعاتهم، وملذاتهم قبل أفعالهم. أما الكتابة عنهم في السياسة، فهذا يحتاج إلى حل اللغز التالي: واحد سقط على الأرض من على برج، فتكسر كل شيء إلا شيء واحد. فما هو؟

يبدو لافتا، انه كلما كتبت عن موضوع العرب السياسي، تكتشف إن هناك تناقضات متباينة يصعب حلها، شبيهة بالكلمات المتقاطعة، وخرائط الألغاز. فالسياسة عندنا تشبه مواصفات " الكبسة " الخليجية، و"المندي" اليماني، و" البرياني" العراقي، و"المنسف" الأردني، و" الكسكسي " الليبي والمغربي والتونسي، و"الكوارع" المصرية، و"الكبة" اللبنانية. موادها دسمة، كثيرة التزويق والمعالجة، مملوءة بالتعقيد، لا تخلو من اللحم، لأن العرب مهوسون بجميع أنواع اللحوم، البشرية والحيوانية معا. وتقرأ في" عيون الأخبار": قيل لأعرابي: مالكم تأكلون اللحم وتدعون الثريد؟ فقال اللحم راحل والثريد باق!!

رباط الكلام، العقل السياسي العربي شبيهة بالطبيخ العربي، متنوع الوجبات والألوان والبهارات، يسعد البطون، ويفرح مآقي العيون، ويزيد طاقة الحركة في الفراش، ويشعل الانفراج في النفوس، لكنه يسبب مشكلات مرضية مزمنة، ويغلق الشرايين الصاعدة والنازلة، ويرفع الكوليسترول بسبب تراكم الشحوم، لكنه يسبب عقما في العقل، وبلادة في التفكير، ونوما عميقا، وسباتا في الحياة! فتصعد معدّة البطن في الرأس، وينزل العقل إلى الأسفل ليستقر في جوف المجهول. كذلك، هو شبيه بطائرات" الدرون " المسيرّة التي توجه عن بعد أو تبرمج مسبقا، لكي يؤدي مهامه لخدمة الآخر كي يريح ويستريح!

خُلص ثلة من المفكرين إلى موقف شبه موحد من ازمة العقل السياسي العربي على أنه تقليدي ونمطي لا يتجدد مع الزمن، سكونه مميت، ومغيّب عن الحاضر، ويتفنن بجلد الذات، ويستصغر تاريخه ولغته وهويته"فاقد الشيء لا يعطيه“ لكنه لا يعيش الحياة بل على العكس الحياة تعيشه، كأنه مستقيل لا يدري وظيفته التي خلق لها وهي أن يَعْقِل الأمور.

العقل السياسي العربي، فقد مناعته المكتسبة، نائم وأرجله في الماء، لا يصحو إلا بعد وقوع الزلزال، يبحث دائما عن فتات إنجاز، يعاني من علة حاستي الشم والسمع، فلا يشم إلا رائحة من يتآمر عليه، مشغلا حسّ المؤامرة في كل خطوة، ولايسمع إلا من يمتدحه. ومع ذلك فأنه "عقل مغيب" لأنه يمثل الجانب المظلم والجاهل من ازمه العقل.

سأقول كلاما صريحا وواقعيا، قد لا يعجب البعض، بأن العقل السياسي العربي مازال مبرمجا على عصر القبيلة من قيم وعادات، وعلى الطوائف والعصبيات، والبطل الفردي، مما سبب لنا هذه الأزمة الوجودية في التعامل مع الواقع الجديد ومتغيراته، وأحدث شرخا في التنظيرات السياسية، والوقوف سلبا ضد الممارسات العقلانية لبعض الدول.

أرواح الامجاد

لابأس إن نستحضر أرواح الأمجاد، وهو امر ممتع، لكن لا ينبغي أن يكون عائقا في تغيير العقل السياسي ليتلاءم بواقعية مع متغيرات السياسة الدولية، وواقعية الأحداث سواء في تغيير بنية المجتمع وتكيفه مع العالم، أو مع القضايا العربية التي أصبحت معالجتها كأنها طوطم من التاريخ، لا يمكن تغييرها إلا بمقاييس الماضي وشعاراته النظرية العقيمة.

سأبدأ من الآخر، مازالت السياسة العربية يتحكم فيه عقل "مغيّب " معطوب القرار، ومستلب الإرادة، وإذا خرج من طوطم " أمجاد ياعرب أمجاد " فأن حرب البسوس ستشعل ثأرات داحس والغبراء بين قبيلة "عبس" و"ذيبان“ وسنبدأ بشيطنة الآخرين الذين يريدون الاقتراب من العصر، ودخول السياسة من باب واقعيّة السياسة المتغيرة، وحتمية الجغرافية.

العرب لهم قضايا وثوابت وحقوق مشروعة، نشأت منذ تأسيس الدول العربية، وربما قبلها، كلها لم تتحقق، وصارت مجرد أناشيد وخطب. فقد ذهبت أجيال، وظهرت أخرى وهي على الثبات الفزيائي. فمازال العقل السياسي العربي، مقولبا ونمطيا، ومجرورا بالماضي، يعاش على بطولات عنترة، وسيوف الأجداد، والبيانات الختامية الرنانة للقمم العربية.

ربما يسأل أحدهم، ما العيب أن تعيش الأمة على تراثها المجيد، وما العيب أن تستمد طاقتها الإيجابية منها؟ والجواب: من قال إن هذا عيبا لأمة صنعت مجدا قديما، وأنارت ظلمة الماضي بالمنجزات والعلم والمعارف؟ لكن بالمقابل من قال إننا انتصرنا كل هذه السنين على العدو المبني للمعلوم أو المجهول. اليس من الفضيلة الاعتراف بأننا زرعنا الأحلام الوردية الخادعة، ومتفجرات الموت واليأس والنحر والطائفية والجاهلية والتعصب وهدم الأوطان في عقول الأجيال العربية؟

من قال إننا أمة عقيمة بالمجرور. فالعقم موجود بالتوارث في السياسات العربية التقليدية، وفي العقل السياسي العربي المستبد، وعدم جرأته في مواجهة عواصف التغيير؛ لأنه مصاب بالزهايمر السياسي، وضعف الإرادة السياسية، وانشداده القوي للماضي. فهو لا يجيد لعبة السياسة؛ حيث تتقلب حسب المصالح. وليس لها ثوابت بل مصالح متحركة، وليس هناك عداوات ثابتة، بل صداقات متحركة. وهي من الآخر لعبة غير أخلاقية في عصر القوي المتكبر الذي لا يرحم البشر والدول!

حكمة التجارب

لم يعد في هذا العصر وجودا لحاكم يتحدث بمنطق “إلقاء العدو بالبحر " أو "ياجبل مايهزك ريح وإنما منطق ابتكار الفرص التي تساعده على تنمية شعبه وإسعاده، والانتصار للوطن بالحكمة، وإنشاء "قبة عقلية ومعرفية" حديديّة لحمايته من أعاصير الحروب والكوارث وطائرات" الدرون" الميسرة، وأسلحة تقنيات الدمار الشامل. فنحن اليوم بحاجة إلى "ثورة عقلية" واقعية عابرة للتعصب والجمود السياسي، لا "عنتريات سياسية “لتجويع البشر، وتهديم الأوطان على رؤوس أمة مازالت تحلم في عصر الأنسان الآلي السعيد بشعار "خبز حرية كرامة وكهرباء". أو الموت النهائي للخلاص من استبداد الحاكم وتعاسة الحياة!

.................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق