من المؤمل ان تناقش قمة الدول الصناعية في لندن عدة مسارات استراتيجية تعيد توزيع الأدوار الدولية من جديد.. فبعد ان كانت مراكز الأبحاث الأمريكية والبريطانية تتحدث عن ادارة الأزمات بالوجود المشترك لتحالف دولي يحارب الإرهاب على مستوى مناطق التهديد بالقتل .. ظهرت نظريات متجددة باعادة الحرب بالوكالة من خلال قيادة غير مباشرة تمنع وصول قدرات الإرهاب الداعشي وغيره الى الدول الأوربية اولا لضمان الأمان الدائم في بلدان عرفت التقدم العلمي وإدارة اقتصاد المعرفة.

فيما يتطلب نقل الثقل الاستراتيجي لمنطقة القتل خلال الأعوام المقبلة الى تقليم اظافر التنين الصيني ليبقى الشريك الافضل مع ارخص عمالة واكبر إنتاجية للشركات متعددة الجنسيات وتوظيف الطموح الصيني في مبادرة الحزام لاعادة تدوير الأرباح من قبل هذه الشركات وهذا يحتاج الى تواجد عسكري امريكي مباشر في تايوان وكوريا الجنوبية ناهيك عن الأفكار الواردة في عدة دراسات لمراكز ابحاث امريكية عن تقليص حجم امتلاك الصين للدولار الامريكي الذي يقدر بحوالي التريلوني دولار!

هذا الانتقال في اعادة توزيع الأدوار يذكر الباحثين في أيام الحرب الباردة التي تغيرت معالم صواريخها الى الحرب الناعمة وإعادة تدوير الأرباح في الصناعات الأساسية التي تمثل الطاقة والسلاح والمال والدواء ...لذلك ربما يصدر عن هذا المؤتمر ما يشير الى تورط الصين بكوفيد يوهان كما يوصف في عناوين المقالات الغربية.

لكن السؤال الأكثر جدلا عراقيا على الأقل، كيف ستكون عودة بريطانيا العجوز لادارة مشروع الشرق الاوسط الكبير بعد انسحابها من قواعد عسكرية في الخليج العربي اواسط ستينات وسبعينات القرن الماضي والقفزة الأمريكية ما بعد هزيمة فيتنام للتمركز في الشرق الأوسط واعتباره احد ضروريات الامن القومي الأمريكي.

في هذا السياق هناك من يرحب بالعودة البريطانية، فالخبرة بالمستعمرات القديمة ما زال ينبش من قبل المؤرخين في وثائق السفارات البريطانية حتى يومنا هذا، ناهيك عن تراكم الخبرة الدبلوماسية والاقتصادية في التعامل مع مستجدات الأمور، انطلاقا من نظرية التأثير البريطاني على تأسيس ثلاثة انماط من الاسلام السياسي.

الوهابية ..الاخوان المسلمين.. الدعوة الإسلامية.. فكل واحد من التيارات للاسلام السياسي لها ملفات توثيقية في الخارجية البريطانية وهناك خبراء يهتمون بها في مركز الدراسات الملكية (شيتام هاوس).

يضاف الى ذلك ان التاج البريطاني يختلف عن الكابوي في البيت الأبيض الأمريكي، وكل ذلك دلالة حسنات وفرص تطرح أفضلية الادارة البريطانية للشرق الاوسط الكبير بعقلية صهونية ودهاء بريطاني يقدم الابتسامة قبل ضربة الخنجر المسموم بأيدي وكلاء عاشوا في بريطانيا وحصلوا على جنسيتها ولهم مواقع مرموقة في عراق اليوم.

في المقابل لا اعتقد ان الولايات المتحدة بنية الانسحاب الكامل من العراق باي شكل من الأشكال لكن ظهور الدور البريطاني الإقليمي يجسر الفجوة ما بين مشروع التطبيع الإسرائيلي ومشروع المقاومة الإسلامية..لا سيما ما بعد انتصار (الدرون) على عنجهية الاستيطان الصهيوني!!

في مثل هذه المعادلة ستكون للسفارة البريطانية في اكثر من عاصمة عربية اعادة صياغة رقعة الشطرنج لاطلاق الصفحة الحديدة من الشرق الأوسط الكبير، ومع اقتراب إيران من امكانية التفجير النووي بعد تجاوز قدرة التخصيب نسبة ٦٠% ان يكون هناك ادارة جديدة يستعيد فيها التاج البريطاني توازن الرعب بعمودين، الاول القدرة النووية الإسرائيلي / غير المعلنة/ مقابل عمود القدرة النووية الإيرانية المعلنة، بدلا من نموذج العمودين الإيراني والسعودي الذي اعتمدته واشنطن حتى الثورة الإيرانية وفضيحة رهائن السفارة الأمريكية في طهران.

وهذا ما سيجعل مفاوضات جنيف تطول لزمن غير معروف حتى خضوع كلا الطرفين لمعادلة (توازن الردع) والتزام نظامي بقرار ربما من مجلس الأمن الدولي لاستخدام اي سلاح صاروخي في الشرق الأوسط الكبير بما يجعل مثل هذا الاستخدام تهديدا للأمن والسلم الدوليين.

عندها سيظهر دور العراق مجددا كما سبق وان ظهر في حلف السنتو لربط منطقة الفراغ ما بين الحلف الأطلسي في حدود قاعدة انجرليك التركية، والقيادة المركزية للقوات الأمريكية في قاعدة العديد القطرية، بوجود قواعد جوية ارضية في العراق والأردن تجعل النفوذ الصيني للوصول إلى أوروبا لابد وان يكون بحماية هذه القواعد للتحالف الدولي.

الامر الاخر الذي ربما سيعاد التعامل معه شخوص القيادات للاسلام السياسي في المنطقة ككل ..فضلا عن شخوص القيادات الإسرائيلية والعربية ..فالعقد المقبل لحصاد الاستثمار في الشرق الأوسط الكبير ..وهذا ما لم يدركه اهل الحل والعقد من أمراء الطوائف السياسية في عراق اليوم ..وربما علبهم اعادة قراءة كتاب (رهينة خميني) تأليف روبرت ديفورس لعل وعسى يفهم من عليه ان يفهم ..ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق