في أواخر أيام شهر رمضان الماضي من هذا العام، حدثت توترات عنيفة بين العرب الساكنين في الخط الأخضر وإسرائيليين في مدينة القدس، بعد أن حاول الإسرائيليين إزالة عدد من المنازل التي يقطنها عرب في مدينة الشيخ جراح في القدس واستبدالها بأخرى للإسرائيليين وهو ما يعرف بسياسة التهويد أو بناء المستوطنات، انتقل الوضع الأمني بعدها مباشرة إلى قصف متبادل بين إسرائيل من جانب، وفصائل مقاومة فلسطينية من جانب آخر، وكانت مدينة غزة معقل حركة حماس والجهاد الإسلامي المكان الأبرز، حيث تعرضت إلى قصف شديد دمر العديد من البنية التحتية، وما قالت عنه وزارة الدفاع الإسرائيلية منصات الصواريخ ومخازن الأسلحة، بالمقابل ردت فصائل المقاومة وأبرزها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي بمئات الصواريخ سقط عدد كبير منها في القدس وتل أبيب ومناطق أخرى وسقط القسم الأكبر تحت الدرع الواقي المسمى من قبل إسرائيل بالقبة الحديدية.

وبتقدير إسرائيل تعد الحرب الأولى التي تطلق هذه الفصائل الكم الكبير من الصواريخ، وهو بنظر الفصائل رسالة هامة مفادها بأن لها القدرة على تهديد أمن إسرائيل إذا ما حاولت الاعتداء على الفلسطينيين أو قيادات من الفصائل، وبعد مرور عدة أيام من الاشتباكات عملت أطراف دولية وإقليمية استطاعت أن تضغط على وقف إطلاق النار بين الطرفين ليستمر إلى يومنا هذا، وهنا لعبت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن دوراً كبيراً في الضغط على إسرائيل ساهم بذلك جانبين:

الجانب الأول رغبة الجانب الأمريكي في توقف الاشتباكات هذه بالسرعة الممكنة، وعدم السماح لرئيس الحكومة نتانياهو بإطالة أمدها أو توسيع حدودها، وهذا ما أدركه نتانياهو بأن تعامل إدارة بايدن ودعمه ليس كما هو الحال مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق الجمهوري دونالد ترامب، الذي عمل المستحيل لإسرائيل كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإجبار الدولة العربية على التطبيع مع إسرائيل على وجه السرعة، شمل ذلك المغرب والسودان ودول الخليج كالبحرين والإمارات وعمان ودول أخرى راغبة كالسعودية وقطر، في حين وقعت دول أخرى منذ سنوات كمصر والأردن، إذ أن إدارة بايدن تميل في هذه الفترة إلى التهدئة في منطقة الشرق الأوسط خصوصا، وهي تعمل الآن على تسويه الخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران ونفوذها في الشرق الأوسط والتقارب الخليجي–الإيراني.

أما الجانب الثاني في تطويق الاشتباكات بين الجانب الإسرائيلي والجانب الفلسطيني، التجاذبات السياسية الداخلية وعدم التأييد الشعبي لنتانياهو في هذه الحرب، على الرغم من محاولته استثمارها في الحصول على دورة أخرى برئاسة الحكومة، وهذا ما لم يتحقق له لا شعبيا ولا سياسيا، حيث استمر الحراك السياسي في إسرائيل بتشكيل ائتلاف من عدد من الكتل السياسية الممثلة داخل الكنيست الإسرائيلي، ومن ضمنها هذه المرة وهي الأولى في التاريخ أن تشترك الكتلة العربية في هذا الائتلاف التي من المتوقع أن لا تمثل في الحكومة بوزراء، حيث اكتفت بالحصول على تعهدات تتعلق بالخدمات المقدمة لفلسطينيي الداخل، فضلاً عن وعود بتجميد اتفاق كيمينز، الذي يوفر بيئة لتدمير منازل فلسطينيي الداخل.

في الوقت ذاته اتفقت الكتلة العربية مع الكتل والقوى الأخرى أن تكون رئاسة الوزراء لصالح زعيم حزب يمينا اليميني نفتالي بنت، والذي سيتناوب على رئاستها مع زعيم حزب (هناك مستقبل) الوسطي يائير لبيد، وبتأييد من كتل أخرى كانت تمثل بمجملها المعارضة لحكومة نتانياهو في الدورات السابقة، لذا فإن هذا الائتلاف الذي سيشكل الحكومة سيقصي نتانياهو من التجديد لدورة أخرى في رئاسة الحكومة، حيث لم يتمكن من جمع الأصوات النيابية التي تمكنها من نيل الثقة في الكنيست، في حين نجح زعيم حزب يمينا بذلك بعد اتفاق مع كتل أخرى أبرزها حزب هناك مستقبل مثلما أشرنا.

وبذلك ستنتهي طموحات نتانياهو الذي يعد من أكثر رؤساء الحكومة في إسرائيل تشددا والأكثر تصلبا اتجاه أي تسويه تصب لصالح استقرار الشرق الأوسط وهو من سعى إلى إفشال الاتفاق النووي وضغط على إدارة ترامب بعقد معاهدات سلام مع عدد من الدول العربية والتطبيع مع أخرى، في حين سيكون الائتلاف الجديد أكثر عقلانية من نتانياهو والأسباب قد تكون سياسية أكثر من غيرها، إذ يتفق القادة الإسرائيليين من رؤساء الأحزاب والكتل السياسية على دولتهم العقائدية، وامتدادات حدودها الإدارية والسياسية.

لكن الائتلاف الذي سيشكل الحكومة قائم على عدد من الكتل السياسية المتباينة وغير المنسجمة، وهو ما يتطلب مراعاة للتوجهات السياسية خاصة العربية منها، وإذا ما حدث خلاف ذلك قد يشهد الائتلاف التفكك وهو ما يعني التغيير الذي قد يطرأ وجود رئيس الحكومة إذا ما فقد التأييد السياسي داخل مجلس الكنيست الإسرائيلي، لكن الأخير مستبعد كون الأطراف الدولية والمحلية لا ترغب بذلك خاصة بعد إنهاء مبرراتها بعد توقف الاشتباكات بين جانب فصائل المقاومة الفلسطينية في مدينة غزة وإسرائيل.

في قبالة ذلك يسعى نتانياهو لاستثمار الأيام المتبقية على انعقاد الكنيست على دعم ائتلاف بأعضاء جدد، وإذا لم يتمكن وهو المتوقع بعد الاتفاق الذي وقعت بين حزب يمنيا وحزب هنا المستقبل وأحزاب وكتل أخرى.

ومما تقدم نستطيع القول: "إن تشكيل الحكومة الجديدة بمتغيراتها الداخلية هي استجابة للمشهد السياسي الانتخابي في إسرائيل رغم تأثير المشهد الجيوسياسي والأمني إلا أنه لم يكن له دور حاسم في إقصاء نتانياهو، والذي هو الآخر سيحاول وحتى لو قامت حكومة بديلة، أولا إلى ضمان بقائه في رئاسة حزب الليكود، ثم سيسعى إلى إسقاط الحكومة البديلة، مستغلاً التناقضات الداخلية الكثيرة فيها بين يسار ويمين، بين محافظين وليبراليين في السياق الإسرائيلي.

من هنا أثار العديد من المراقبين شكوكا حول قدرة التحالف المشكّل على البقاء في ظل التناقضات الموجودة بين مكوناته، وكذلك وسط توقعات بأن يسعى نتانياهو لإسقاط الحكومة الجديدة، في حين أشار آخرون إلى أن رغم وعورة الطريق الذي سيسلكه نتانياهو لمنع نيل الائتلاف الحكومي المعارض له الثقة، لا يبدو أن نتانياهو سيستسلم سريعا، بقدر ما سيبذل قصارى جهده لإطاحة التشكيلة الجديدة، سواء من داخل الكنيست عبر محاولة سحب البساط من تحتها، أو من خارجه من خلال المحاولات إلى فرض حالة طوارئ تطيح مسار الثقة برمّته.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق