يقولون ان لكل قاعدة استثناء وهذا ما اعتدنا عليه، ويمكن القول ان العراق هو الاستثناء من كل القواعد، فكلما واجهتنا حالة معينة ونريد الهروب منها او تخريجها بصورة مناسبة للوضع المرحلي نذهب صوب حلول غير منطقية ونقنع أنفسنا بأن لكل قاعدة استثناء ونضع الحكم الذي يخدمنا دون تردد ومعرفة لآثاره.

هذه القاعدة استخدمت في العراق بشكل قد يفوق ما تم استخدامها في العالم اجمع، ففي جميع القرارات والقوانين التي تشرعها الجهات التشريعية، تضع جملة من الاستثناءات، يتم استخدامها او الاستفادة منها لأغراض حزبية او جهوية بعيدة عن المعنى الحقيقي للقانون او القرار المقر لجهة سواء كانت صحية او امنية او أخرى غير ذلك.

في الحقيقة ان هذه القاعدة لها من المطاطية القدر الكافي بما يجعلها متغيرة المعاني والفهم كل حسب الجهة او الشخص الذي يود توظيفها، فمثلا القانون المشرع لأحدى المؤسسات الحكومية، يمكن ان يضع بعض الاستثناءات ولا ينطبق على اشخاص بعينهم، بل من الممكن انه شُرع لأجل استثناءهم من مهام معينة او واجبات ومسؤوليات مختلفة عما كان يؤدوها في السابق.

فعبارة الاستثناء هي عبارة لها الكثير من التسميات والتفسيرات في حقيقة الامر، حتى أصبحت الشماعة التي يُعلق عليها التقصير الحكومي او الاهتمام بشريحة معينة، وعلى ذلك الشواهد كثيرة، ففي الموازنة الاتحادية التي تم التصويت عليها في الأيام القليلة الماضية تقرر إيقاف التعينات في المؤسسات الحكومية، لكن تم تذييل فقرة بنهاية القانون او المادة، (ويستثنى من ذلك الشريحة الفلانية والفلانية .... الخ).

ولم تكن هذه المادة او الاجراء هو العملية الأولى او الخطوة الأولى من نوعها في العراق، فقد اتسمت جميع القوانين، بوجود هذا التذييل او الحاق بالمقررات السابقة، وكأن البلد أصبحت تركيبته التشريعية بهذه الصورة، وحتى القواعد التي لا تقبل الاستثناء تم التلاعب فيها وغُيرت بما يخدم الجهة المستفيدة.

لو أردنا ان نحدد من له الحق بان يتخذ مثل هذه القرارات الاستثنائية او يشرع قوانين تخص مرحلة آنية دون غيرها من المراحل، فهل يحق للجهة التشريعية ان تقوم بهذه المهمة؟، ام لرئيس الحكومة السلطة بذلك وهو من يقرر ما تتطلبه المرحلة من قرار حاسم واستثنائي، كخطوة رفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار؟

لا نعرف لغاية الآن من له الاحقية القانونية لمثل هذه الاستثناءات، وهل هي بالفعل اجراء معتمد في بقية الدول؟، لكي تتبعها الحكومة العراقية كغيرها من الحكومات المستندة الى القانون وتعمل بموجبه، مع إمكانية الاستفادة من خاصية الاستثناء لمثل الحالات التي لا تجد لها مخرج قانوني ونص تشريعي.

للاستثناء الموجود في دوائر الدولة آثار ربما تكون غير واضحة في الوقت او غائبة لكنها تأخذ بالظهور تباعا، فهي بمرور الأيام تشكل خطرا على وجود المنظومة التشريعية في الدولة، كونها تهلك سلطاتها التشريعية، وجعلها تتضارب مع الولادات الجديدة، (القرارات الاستثنائية)، وبالتالي تشجع على اللاسلطة واللاقانون.

ويصف الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين القرارات الاستثنائية بأنها تلك المساحات الواقعة بين القانون العام في دولة ما، والتوظيف السياسي، وكذلك بين النظام القانوني والحياة، وبذلك تضفي حالة الاستثناء الصبغة القانونية على الأشياء التي لا يمكن ان تندرج ضمن قانون معين، حتى أصبحت في العصر الحالي قاعدة مهيمنة في اغلب المسائل الحساسة ولا يمكن الاقتراب منها على انها بديل يصعب اللجوء اليه الى عند الضرورة.

وحالة الاستثناء امتدت بجذورها حتى طالت جزئية العيش، فمن يسكن في المنطقة الخضراء من رئيس الجمهورية نزولا الى الوزراء وأعضاء البرلمان، جميعهم مستثنون مما يمر به العراق من فوضى بمختلف المجالات، أضف الى ذلك فهم غير مشمولين بالقطع المبرمج للتيار الكهربائي، ولا يشعرون أيضا بما هو سائد بالمجتمع من حالات فقر وحرمان وجوع، وكأنهم يديرون شؤون البلاد عبر الريمونت كونترول من دولة أخرى.

وحتى المواطن البسيط يحاول في جميع الأحوال البحث عن الاستثناء والاستفادة من هذه الخاصية، فعند مراجعته لإحدى الدوائر من اجل إنجاز معاملة، اول الأشياء التي يبحث عنها هو الاستثناء الذي عادة ما يتم عن طريق (الواسطة)، وهو الشخص الذي يأخذ بمعاملته ويتجاوز جميع الذي قبله رغم احقيتهم ومجيئهم منذ الصباح لإكمال الامر.

فقد كرست الاستثناءات التي انتشرت في الآونة الأخير مبدأ عدم احترام القانون والخضوع لسلطته، وقللت هيبته، طالما الاستثناء يلاحقه، وصار شبحا يبسط سيطرته على جميع المفاصل الحكومية، الى درجة تراجعت في تأدية وظائفها ومهامها الرئيسية التي ينتظر منها بناء دولة مؤسسات لا دولة استثناءات.

نعم نحن اليوم بحاجة لمثل هذه الاستثناءات لكن بشقها الإيجابي لا السلبي، والاستثناء أصبح من الضروريات التي تتطلبه المرحلة، فالعراق يريد شخصية استثنائية بمعنى الكلمة، تؤمن بفرض القانون وسيادته، وتكرس جهدها لحماية التشريعات والعمل على عدم تجاوزها والذهاب صوب الفوضى والاعتداء على الدولة وقواها، نترك باب التساؤلات مفتوحا لعل الأيام القادمة تحمل لنا شخصية تتمتع بالصفات المذكورة وتصبح هي الاستثناء خلافا للقاعدة السائدة وهي التنصل من المسؤولية وعدم الاكتراث لما يحصل في البلاد بصورة دائمة.

اضف تعليق